قراءة في تشكيلة الحكومة السورية الانتقالية : تحديات سياسية ودينية متصاعدة

منذ 23 ساعة 23

وسط التحديات الأمنية والسياسية التي تعصف بسوريا، يأتي الإعلان عن تشكيل الحكومة الانتقالية الجديدة ليفتح الباب أمام تساؤلات حول قدرتها على تحقيق الاستقرار وإعادة بناء البلاد.

ومع ذلك، فإن هيكلة هذه الحكومة التي يغلب عليها "اللون الواحد"، أثارت مخاوف بشأن استمرار الانقسامات الطائفية والسياسية، خصوصاً مع التشابه الواضح بين المشهد السوري الحالي وما حدث في العراق عقب سقوط نظام صدام حسين من حرب طائفية طاحنة بين الشيعة والسنة ودخول تنظيم القاعدة وبعده داعش على الخط.

إقصاء سياسي أم انحيازات واضحة؟

ورغم الجهود المبذولة لإظهار التنوع السياسي والديني، إلا أن التشكيلة الحكومية واجهت انتقادات واسعة بسبب ما يُعتبر إقصاء واضحاً لبعض الفئات والمكونات السورية، ورصدنا أراء عدد من الأشخاص في يورونيوز وتم تغيير أسمائهم حفاظاً على عدم ملاحقتهم.

 محمد، أحد سكان حمص، أعرب عن اعتقاده بأن الحكومة "لونها قطري أكثر من كونها سورية"، مشيراً إلى أن معظم المسؤولين كانوا موجودين في قطر ويعملون فيها قبل تعيينهم. 

أما سالم من ريف دمشق، فاعتبر أن النقطة السوداء في الحكومة هي تعيين وزير العدل،المعروف بخطابه المتشدد وأن المنصب كان لابد أن يوكل لمختص بالقانون. وأشار إلى أن "الوزير الجديد حذف حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي بعد تعيينه، حيث كان ينشر فيها محتويات تحرض ضد المذاهب الأخرى". 

وفي درعا، عبر جلال عن استيائه من غياب أي تمثيل لمحافظته في الحكومة الجديدة، رغم وجود كوادر بشرية ورجال أعمال كثر من المنطقة يمكن الاستفادة منهم. وقال: "تجاهل درعا منذ سقوط النظام السابق يثير الشكوك حول نوايا السلطات الجديدة". 

صراعات داخلية ومضايقات دينية: تصاعد التوتر بين المكونات السنية

يتسع الانقسام في سوريا ليصل إلى داخل المكونات السنّية نفسها، حيث يتعرض الأشعريون الصوفيون لمضايقات وترهيب متزايد. في مدينة حماة، على سبيل المثال، تعرضت مساجد الأشاعرة للاقتحام من قبل شباب سلفيين قاموا بإزاحة الخطباء الأصليين واستبدالهم بآخرين يدعون إلى "هداية الناس للإسلام الصحيح"، كما يقولون. 

حوادث موثقة وتصعيد خطير

حادثة موثقة مؤخراً تتمثل في اقتحام السلفيين لمسجد مصعب بن عمير في حماة، حيث تعرض الأشعريون للضرب والإهانة. وأدت هذه الحوادث إلى حالة من التوتر بين مختلف الفئات الدينية، وسط دعوات إلى ضبط النفس ومنع التحريض. ومع ذلك، فإن الأمر لم يتوقف عند حدود الاعتداءات الجسدية أو إزاحة الخطباء، بل تطور إلى شكل من أشكال "فرض السيطرة الدينية" على المساجد، وهو ما يثير القلق بشأن مستقبل التعايش بين المذاهب المختلفة في سوريا. 

رجال دين من حماة يتحدثون عن الانتهاكات

في ظل هذه التطورات المقلقة، خرج عدد من رجال الدين من مدينة حماة عبر وسائل التواصل الاجتماعي للحديث عن هذه الانتهاكات والتنديد بها. هؤلاء المشايخ أكدوا أن مثل هذه الممارسات بدأت منذ بداية سقوط النظام السابق، لكنها تصاعدت بشكل كبير خلال شهر رمضان الماضي، حيث أصبحت المساجد هدفاً رئيسياً للجماعات السلفية التي تسعى إلى فرض رؤيتها الدينية على المجتمع. 

أحد المشايخ في حماة -فضل عدم الكشف عن اسمه- أكد ليورونيوز "نحن نشهد منذ أشهر انتهاكات متكررة ضد مساجدنا وأئمتنا. يتم إزالتنا بالقوة من على المنابر، ويتم استبدالنا بشباب لا يحملون أي تأهيل ديني، ويدعون إلى فرض مذهب واحد على الجميع. هذا أمر خطير للغاية، ويهدد النسيج الاجتماعي الذي كنا نعيشه في سوريا ويتهمونا بأننا ننشر إسلاما مودرن.".  

دعوات للمساءلة والعدالة

رجال الدين الآخرون في حماة،  أكدوا أن هذه الحوادث ليست مجرد حالات فردية، بل هي جزء من استراتيجية واضحة تهدف إلى "إعادة صياغة الهوية الدينية للمدينة". وطالبوا بتشكيل لجان تحقيق مستقلة لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، وضمان حماية المساجد من أي اعتداءات مستقبلية. 

تعيين المفتي العام وأزمة الخطاب الديني: صراع الهوية الدينية في سوريا

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً بين مختلف الفئات الدينية والسياسية، عين الرئيس السوري أحمد الشرع الشيخ أسامة الرفاعي مفتياً عاماً للبلاد، ضمن خطة حكومية تهدف إلى "ضبط الخطاب الديني" وإعادة بناء المؤسسة الدينية التي تعرضت للتدهور خلال سنوات الحرب الطويلة. جاء هذا التعيين في ختام مؤتمر ضم علماء دين وممثلين عن مختلف المذاهب الإسلامية، حيث تم الإعلان عن تشكيل مجلس الإفتاء الأعلى برئاسة الرفاعي. 

الشرع يدعو لضبط الفتوى

خلال كلمته التي ألقاها في المؤتمر، أكد الرئيس أحمد الشرع أن "الفتوى ليست مجرد رأي ديني، بل هي أمانة عظيمة تؤثر في بناء الدولة الجديدة". وأشار إلى أن المؤسسة الدينية تعرضت خلال السنوات الماضية لانتهاكات من قبل "غير أهلها"، في إشارة ضمنية إلى الجماعات المسلحة والمتشددة التي استغلت الدين لتحقيق أجنداتها السياسية. وأضاف: "نحن نسعى لإعادة بناء سوريا بكوادرها وعلمائها وأبنائها، ودور الفتوى سيكون محورياً في تحقيق ذلك". 

ردود فعل متباينة

رغم أن القرار يبدو خطوة نحو تحقيق الاستقرار الديني، إلا أنه أثار ردود فعل متباينة على الساحة المحلية. فبينما رحب البعض بالخطوة باعتبارها محاولة لضبط الفوضى الدينية التي شهدتها البلاد، أعرب آخرون عن قلقهم من احتمالية تفاقم الانقسامات الطائفية والمذهبية.  

حملات التحريض على وسائل التواصل الاجتماعي

رصدت "يورونيوز" أيضاً حملات تحريضية واضحة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث دشن عدد من المشايخ الدعويين حملات ضد الأشاعرة، ودعوا إلى عدم قبول تعيين مفتي جديد يُنظر إليه على أنه "متساهل" مع الطوائف الأخرى.  

وفي المقابل، طالب العديد من السوريين المفتي الجديد بإصدار فتاوى واضحة تحظر التحريض على العنف ومنع أي شخص ينشر الكراهية من اعتلاء منابر الجوامع.  

مستقبل سوريا على المحك

تواجه الحكومة الانتقالية تحديات جسيمة تتطلب منها الموازنة بين مطالب القاعدة الثورية وبين أهمية عدم الإقصاء السياسي الذي قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار، لتقف سوريا عند مفترق طرق يعتمد مستقبلها على قدرة  الحكومة الجديدة على إدارة هذه التحديات وإعادة بناء الدولة بشكل شامل وعادل.