دبي،الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- في أيامنا هذه، يبدو المشهد من مأوى صخرة "تكاركوري" في جنوب غرب ليبيا، عبارة عن كثبان رملية لا نهاية لها وصخور جرداء.. لكن قبل 7,000 عام، كان هذا الجزء من الصحراء الكبرى مكانًا أكثر خصوبة وإلفة.
يسعى العلماء راهنًا إلى فهم أصول سكان "الصحراء الخضراء" بعدما تمكّنوا من إعادة بناء تسلسل الجينوم الكامل الكاملة الأول، أي المعلومات الوراثية المفصلة، من بقايا امرأتين دفنتا في تكاركوري.
ففي غابر الزمان، كانت المنطقة سافانا خضراء تحتوي على أشجار وبحيرات وأنهار دائمة، وكانت تعزز استمرارية الحيوانات الكبيرة مثل فرس النهر والفيلة.
وكانت أيضًا موطنًا للمجتمعات البشرية المبكرة، بينها 15 امرأة وطفلًا عثر علماء الآثار على بقاياهم مدفونين في مأوى الصخرة، حيث كانوا يعيشون على صيد الأسماك ورعي الغنم والماعز.
وقال سافينو دي ليرنيا، المشارك في تأليف الدراسة الجديدة التي نُشرت في مجلة "Nature" الأربعاء: "بدأنا بهذين الهيكلين العظميين، لأنهما محفوظان جيدًا، لجهة الجلد، والأربطة، والأنسجة".
وهذه المرة الأولى التي يتمكّن فيها علماء الآثار، بفضل هذه الاكتشافات، من وضع تسلسل الجينومات الكاملة من بقايا بشرية عثر عليها في بيئة حارة وجافّة، بحسب دي ليرنيا، الأستاذ المساعد بعلم الآثار الإفريقي والأنثروبولوجيا الأثرية في جامعة سابينزا بروما.
أظهرت التحاليل الجينية مفاجآت لفريق الدراسة، حيث كشفت عن أنّ سكان الصحراء الخضراء كانوا مجموعة سكانية مجهولة ومنعزلة منذ زمن طويل، وكانوا احتلوا المنطقة لآلاف السنين.
المومياوان تكشفان أسرار ماضي الصحراء
بدأت حفريات مأوى صخرة تكاركوري، التي يمكن الوصول إليها بواسطة سيارات الدفع الرباعي، في العام 2003، وكانت المومياواان بين أولى الاكتشافات. وقال دي ليرنيا: "عثرنا على أول مومياء في اليوم الثاني من الحفر"، متذكّرًا: "أزلنا القليل من الرمال ووجدنا الفك السفلي".

يُحتمل أنّ المجتمع الصغير الذي استقر في مأوى الصخور قد هاجر إلى هناك مع أولى موجات الهجرة البشرية الكبرى خارج أفريقيا، قبل أكثر من 50,000 عام. وقال هارالد رينغباور، المشارك في تأليف الدراسة، إن اكتشاف سلالة جينية معزولة إلى هذا الحد كان أمرًا غير مألوف، خصوصًا بالمقارنة مع أوروبا، حيث كان هناك المزيد من الاختلاط الجيني.
ورينغباور، باحث ومدير مجموعة في مجال علم الأركيوجينيتكس في معهد ماكس بلانك لعلم الأنثروبولوجيا التطورية في لايبزيغ، ألمانيا، الذي كان رائدًا في تطوير تقنيات استخراج المادة الجينية من العظام والفُسَيْلات القديمة.
وبحسب ما استنتجه مؤلفو الدراسة، فإن هذه العزلة الجينية تشير إلى أن المنطقة على الأرجح لم تكن ممرًا هاجر عبره البشر من أفريقيا جنوب الصحراء إلى شمال أفريقيا، رغم الظروف المضيافة للصحراء في تلك الفترة.
وقد أظهرت التحاليل السابقة للرسوم الصخرية وبقايا الحيوانات التي وُجدت في المواقع الأثرية عبر الصحراء، أن سكانها كانوا من رعاة الأغنام والماعز أو الأبقار، ما دفع بعض الباحثين للاعتقاد بأن هؤلاء الرعاة انتشروا من الشرق الأدنى حيث نشأت الزراعة.
ومع ذلك، فإن هذه الهجرة كانت غير مرجّحة، بالنظر إلى العزلة الجينية لمجموعة تكاركوري، كما اقترح مؤلفو التقرير الجديد. عوض ذلك، افترض فريق الدراسة أن الرعي تم تبنّيه من خلال عملية تبادل ثقافي، مثل التفاعل مع مجموعات أخرى كانت قد بدأت بتربية الحيوانات الأليفة.
وقال دي ليرنيا: "نحن نعلم الآن أنهم كانوا معزولين من الناحية الجينية، لكن ليس من الناحية الثقافية. هناك العديد من الشبكات التي نعرفها من مناطق عدة في القارة، لأننا نجد الفخار الآتي من أفريقيا جنوب الصحراء، والفخار الآتي من وادي النيل وما إلى ذلك".
وأضاف: "كان لديهم هذا النوع من النسب الذي يعد قديمًا جدًا، وهو يشير إلى نوع من الإرث البليستوسيني، الذي يحتاج إلى مزيد من الاستكشاف"، في إشارة إلى الفترة الزمنية التي انتهت قبل حوالي 11,000 عامًا قبل بداية الحقبة الهولوسينية الحالية.
وقالت لويز هامفري، قائدة البحث بمركز أبحاث تطور الإنسان في متحف التاريخ الطبيعي بلندن، إنها تتفق مع نتائج الدراسة: فقد كان شعب تكاركوري معزولًا جينيًا إلى حد كبير لآلاف السنين، وأن الرعي في هذه المنطقة قد تأسّس من خلال الانتشار الثقافي، عوض استبدال مجموعة سكانية بأخرى.
وأوضحت هامفري أنّ "الحمض النووي المستخلص من امرأتين من الرعاة دُفِنتا في مأوى الصخور قبل حوالي 7,000 عام، يكشف أن معظم سلالتهما يمكن تتبعها إلى سلالة جينية شمال أفريقية قديمة غير معروفة سابقًا".
وهامفري غير مشاركة في البحث، لكنها عملت في كهف تفورالت شرق المغرب، حيث دُفن صيادو وجامعو الغذاء الذين يعود تاريخهم إلى 15,000 عام.
وأضافت هامفري: "يحتمل أن تقدم الأبحاث المستقبلية التي تجمع بين الأدلة الأثرية والجينية رؤى إضافية حول الهجرات البشرية والتغير الثقافي في هذه المنطقة".
من جهته، قال كريستوفر ستويانوووسكي، عالم الآثار البيولوجي والأستاذ في جامعة ولاية أريزونا، إن إحدى النتائج الأكثر إثارة للاهتمام في الدراسة كانت "استنتاج حجم سكاني متوسط إلى كبير، وعدم وجود دليل على زواج الأقارب".
وأضاف ستويانوووسكي، غير المشارك في الدراسة: "إن ندرة الأدلة على زواج الأقارب تشير إلى درجة من الحركة والاتصال، ما يتعارض إلى حد ما مع فكرة وجود سكان معزولين طويلًا في الصحراء الخضراء".

استعادة الحمض النووي القديم أمر نادر
درس الخبراء الهياكل العظمية والمقتنيات المكتشفة في الموقع على مر السنين، لكن محاولات استعادة الحمض النووي من البقايا كانت صعبة المنال.
في العام 2019، تمكن العلماء من استعادة الحمض النووي الميتوكوندري، الذي يتتبّع السلالة الأمومية، لكن الحصول على هذا الحمض النووي لم يوفّر الصورة الكاملة، بحسب ما قال رينغباور.
وأضاف رينغباور الذي يستخدم أدوات حسابية لتحليل البيانات الجينية: "منذ سنوات عدة، تم إرسال العينات إلى لايبزيغ، لأننا قمنا بتطوير وتعديل طرق جديدة على مدار السنوات الماضية لاستعادة المزيد من المعلومات من كمية صغيرة جدًا من الحمض النووي.. والعينات كانت تحتوي على كمية ضئيلة من الحمض النووي".
فغالبًا ما يكون الحمض النووي القديم متفتتًا وملوثًا. ويحتفظ بأفضل حالاته في البيئات الباردة، وليس في التغيرات الكبيرة بدرجات الحرارة التي تحدث في أكبر صحارى العالم الحارة. ومع ذلك، تمكن رينغباور وزملاؤه في معهد ماكس بلانك لعلم الأنثروبولوجيا التطورية من استخراج كمية كافية من الحمض النووي من المومياوين لتسلسل جينوماتهما، وهي مجموعة أكثر اكتمالًا من المواد الجينية التي سمحت لعلماء الوراثة بتجميع معلومات عن سلالة السكان، وليس فقط سلالة الفرد.
وقال رينغباور: "يحمل الجينوم الكامل الحمض النووي للعديد من أسلافك". وأضاف: "مع تقدمك في الجينوم، تبدأ في رؤية الأشجار المختلفة لأسلافك. يحمل جينوم واحد قصص العديد منهم".