♦ الملخص:
فتاة في كلية الطب، فقدت عذريتها في صغرها في بداية تعرفها على الإباحية، والعادة السرية، دون علم منها، ولما تأكد لها الأمر، فقدت رغبتها في كل شيء، وشعرت بضياع مستقبلها في الزواج، وتسأل: كيف أبدأ من جديد؟
♦ التفاصيل:
السلام عليكم.
أنا فتاة في العشرين من عمري، وحيدة والديَّ، طالبة في كلية الطب، كنت فتاة يشهد الجميع بأخلاقها، متفوقة في دراستي، مرحة، جميلة، أحب الحياة، أهلي يخافون عليَّ كثيرًا، حدث أنني عندما كنت في الثانية عشرة، أخبرتني إحداهن عن الأفلام الإباحية، فشاهدتها مدة، وفي أحد الأيام أدخلت شيئًا في العضو الخاص بي، فنزل مني دم قليل، وفي ذلك الوقت لم أكن أعلم شيئًا عن العذرية، أو البكارة، أو حتى العادة السرية، وفهِمت الأمر قبل سنة، وقد تأكد لي فقداني عُذريتي؛ فأُصبْتُ بالإحباط، ولم أعد أرغب في شيء، وتركت دراستي، ضميري يؤنبني كثيرًا، وأشعر أنني جلبت العار لأهلي، أخاف على سمعة أهلي، وتعبِتُ من عدم قبول أي خاطب، أكتب إليكم وعيني تذرف، وأنا مستعدة للتخلي عن حياتي كلها في سبيل أن أتزوج، وأعيش الحبَّ والعاطفة مع رجل يُحبني ويُدللني، وأصبح أمًّا لأطفاله، وأدعو الله أن يغفر لي ويعوِّضني بزوج حنون، لكن ماذا سأقول له؟ لا شكَّ أنه سيَشُكُّ أنني أقمت علاقات لا تُرضي الله، ولا أستطيع أن أكذب عليه، لكني أسارع فأقول: لعل ما حدث يُقربني من ربي أكثر، ويجعلني أقوى من ذي قبل، وهو ما أريد التركيز عليه الآن؛ حتى أستطيع أن أبدأ صفحة جديدة، غير أن فقدان العذرية يؤرقني، فأرجو منكم الحل، وشكرًا لكم.
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى، حياكِ الله يا بنتي، وأسأل الله أن يثبتكِ على طاعته، وأن يصرف عنكِ وساوس النفس والشياطين، وأن يرزقكِ زوجًا وذرية صالحة، وأنصحكِ يا بنتي بالآتي:
• الخطأ من طبيعة البشر، فالله سبحانه وتعالى جَعَلَ العبد يعصيه حتى يستغفره ويتوب إليه، ثم يغفر له؛ لأن الله عز وجل يحبُّ من عبده مقام العبودية؛ وهو الخضوع والاستسلام له، مع طاعته وانقياده لأوامره ونواهيه؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده، لو لم تُذْنِبوا لَذَهَبَ الله بكم، ولَجاء بقوم يُذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم))؛ [صحيح مسلم].
• التوبة نعمة عظيمة من الله سبحانه لعباده، لا يعطيها إلا لمن يحب، ويحرمها العبد الذي رَضِيَ له بالعقوبة أو النار؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [المائدة: 41]، ولأن الله رزقكِ التوبة والعودة له، فهنيئًا لكِ محبة الله.
• عليكِ - يا بنتي - أن تحمَدي الله وتشكريه أنْ شَرَحَ صدركِ بالإيمان، وأبعدكِ عن معصيته، وجعل لسانكِ ذاكرًا، وقلبكِ صابرًا محتسبًا، فأَكْثِري من طاعته، وبادري بالأعمال الصالحة؛ قال تعالى: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ [سبأ: 13].
• احذري من القنوط واليأس من رحمة الله، فالشيطان يُقنِّط الناس من رحمة الله؛ حتى يزهدوا في التوبة، ثم يقعوا في معصية أعظم من الخطأ؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53]، فأحْسِني الظنَّ بالله، وارجي رحمته.
• أقترح عليكِ الذهاب لطبيبة النساء، واشرحي لها مشكلتكِ، واطلبي منها مساعدتكِ؛ لأن بعض النساء يكون غشاء بكارتها مطاطًا، ولا ينفتح حتى بالجماع، فلا تستعجلي واذهبي إليها، وتأكَّدي منها، ثم حتى لو أن الرحم مفتوح، اطلبي منها حلًّا؛ كعملية ترقيع البكارة.
• الستر - يا بنتي - من أهم الحلول، لا تخبري أحدًا مهما كان، سواء والديكِ أو زوجكِ في المستقبل أو صديقاتك؛ روى الإمام مالك في الموطأ ((أن رجلًا أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إن ابنة لي كنت وأدتها في الجاهلية، فاستخرجناها قبل أن تموت، فأدركَتْ معي الإسلام فأسلمت، ثم أصابها حدٌّ من حدود الله، فأخذت الشفرة لتذبح نفسها، وأدركناها وقد قطعت بعض أوداجها، فداويتُها حتى بَرَأت، ثم أقبلت بعد توبة حسنة، وهي تُخطَب إلى قوم، فأخبرهم بالذي كان؟ فقال عمر رضي الله عنه: أتعمَد إلى ما ستره الله فتُبديه، والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا، لأجعلنكِ نكالًا لأهل الأمصار، أنكِحْها نكاحَ العفيفة المسلمة)).
انظري لفقه عمر رضي الله عنه، فالمرأة إذا تابت وعادت إلى الله، فلا يجور كشف سترها للآخرين.
• أما لو كان الخطأ مكشوفًا أمام الناس؛ كتشوُّهٍ في الجسم، أو انتشر الخبر، هنا عليكِ ألَّا تخبريهم بالتفاصيل، بل يجوز لكِ الكذب من أجل الإصلاح، وحتى لا تقعي في مشكلة أكبر؛ لأن الخوف هنا أن يصبح الرجل شكاكًا، وموسوسًا، وقد يتهمكِ في عرضكِ، وقد يفضحكِ بين الناس؛ ولذا أخبريه - مثلًا - أنكِ عند تنظيف الرحم جرحت نفسك، أو غيرها من الأعذار التي يمكن تعلمها من الطبيبة.
• بعد الرجوع لبعض فتاوى العلماء، وجدتُ أنه لا يجوز إخبار الزوج بأخطاء ومعاصي الماضي، بل هذا مخالف لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: ((كل أُمَّتي مُعافًى إلا المجاهرين، وإن من الجِهار أن يعمل الرجل بالليل عملًا ثم يصبح وقد ستره الله تعالى، فيقول: عمِلت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه))؛ [صحيح الجامع].
• يا بنتي، تفاءلي بالخير، وافتحي صفحة جديدة، وأحسني الظن بالله؛ فهو من الأمور التي ينبغي للمؤمن أن يحافظ عليها، فإن التفاؤل وحسن الظن يعطي المؤمن دافعًا للعمل والتقدم إلى الأمام، ويجعله يفكر دائمًا أن مستقبله خير من يومه وماضيه، وأن عليه أن يعوِّض ما فات، وأن يتجاوز العقبات والمحن، وأن يحقق المصالح والمنافع التي ليست في حوزته اليوم.
• احذري من الاسترسال مع ما يقع في قلبكِ من تخيلات بشأن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أو تشكيك في دين الإسلام، أو أن الله لا يغفر الذنوب، أو القنوط من رحمة الله، أو أن المستقبل سيكون سيئًا، واعلمي أن هذه الخواطر الرديئة لا تضركِ إذا استعذتِ بالله من الشيطان الرجيم، وانقطعتِ، ولم تسترسلي معها.
• عليكِ بالصحبة الصالحة من الفتيات العفيفات الصالحات، واشغلي نفسكِ معهن بالأعمال الصالحة والعمل التطوعي، وخدمة المحتاجين.
• احرصي على دراستكِ، وانظري للمستقبل بتفاؤل، وطوِّري من نفسك، فبإذن الله سيجعل لكِ فرجًا ومستقبلًا جميلًا.
• يا بنتي، لا تتركي الدعاء الصالح، واحرصي على الأوقات والأماكن التي يُرجى فيها إجابة الدعاء، بأن يحفظكِ ويستر عليكِ، ويوفقكِ لكل خير، وأن يعينكِ على برِّ والديك، وأن يجعل مستقبلكِ جميلًا.
أسأل الله العظيم أن يصرف عنكِ كل شرٍّ، وأن يوفقكِ لكل خير، وأن يستر عليكِ، ويفرِّج كربتكِ، وأن يرزقكِ زوجًا وذرية صالحة، وصلى الله على سيدنا محمد.