عقب وقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014، شرعت فصائل المقاومة وخاصة كتائب عز الدين القسام، الجناح المسلح لحركة "حماس" و"سرايا القدس" الجناح المسلح لحركة "الجهاد الإسلامي" في تركيب أبراج رصد ومراقبة على بعد يتراوح ما بين 200-300 متر من الشريط الذي يفصل القطاع عن باقي الأراضي المحتلة.

مراقبة مستمرة

وبحسب ما وثقته "عربي21" في زيارة ميدانية سابقة للمنطقة القريبة من الشريط الفاصل، فقد تم تركيب العديد من أبراج المراقبة على طول الشريط الفاصل، من جنوب القطاع وحتى شماله، إضافة لنصب العديد منها في مناطق مختلفة ومنها قرب شاطئ البحر غربي القطاع.

وخلال المناوشات شبه الدورية بين الاحتلال والمقاومة، لم تسلم أبراج المراقبة التابعة للمقاومة من استهداف جيش الاحتلال لها بالقصف والتدمير، في مؤشر على انزعاج الاحتلال من وجودها على مقربة منهم، حيث تمكن تلك الأبراج التي صنعت بمواد محلية بسيطة، من يجلس بداخلها من عناصر المقاومة من متابعة ما يجري لدى الاحتلال شرقي السلك الفاصل عن كثب، من أجل حماية القطاع ورصد أهداف إسرائيلية قد تستخدمها المقاومة في أي مواجهة محتملة مع الاحتلال.

اللافت في الأيام الأخيرة والذي تسبب بضجة كبيرة في مواقع التواصل الاجتماعي، تمكن "كتائب القسام" من إعادة ترميم أحد أبراج الرصد الخاصة بها في شمال القطاع والذي أطلق عليه "برج الفاتح" عقب تدميره من قبل جيش الاحتلال بساعات قليلة، وإعادة تفعيله، وهو برج مراقبة يقع في منطقة حساسة بالنسبة للاحتلال، حيث يطل على مستوطنة "نتيف هعسراه".

وفي اعتراف إسرائيلي واضح، أكدت كبرى صحف الاحتلال "يديعوت أحرنوت"، أن أبراج الرصد التابعة لحركة "حماس" المنتشرة على طول السلك العازل شرقي القطاع، تثير المخاوف لدى الاحتلال وخاصة في المستوطنات القريبة من القطاع، حيث تُمكن أبراج المراقبة تلك بفضل ارتفاعها، من رصد ما يجري على طول المنطقة العازلة وداخل مستوطنات غلاف غزة.

"يديعوت": سكان المستوطنات يخافون أبراج رصد حماس

توزان ردعي

وحول أهمية أبراج المراقبة في غزة وكيفية تعامل الاحتلال معها، أوضح الخبير الأمني الفلسطيني، كمال تربان، أن استهداف الاحتلال لأبراج المراقبة، هو "مؤشر على استشعارهم لخطورتها عليهم، إضافة لتحقيق توزان ردعي من قبل المقاومة".

ونبه في حديثه لـ"عربي21"، أن "استهداف جيش الاحتلال لبرج المراقبة السبت الماضي شمال القطاع بشكل جزئي وهو قادر على إزالة كل الأبراج، يأتي من باب أنه يحسب حساب ردة فعل المقاومة على مثل هذا الاستهداف".

وأكد تربان، أن "الاحتلال متضرر من أبراج المراقبة، لكنه يشعر أن سكوته عنها يخدمه في أمرين؛ أنه مراقب لما يجري، كما أنه يمكنه بطريقة خبيثة أن يعمل على إيصال بعض الرسائل للمقاومة من خلال مراقبتها؛ بمعنى أن تكون لديه بعض الترتيبات في الخفاء فيقوم بعملها في مشهد علني".

وعن تركيب المقاومة لتلك الأبراج على مقربة من السلك العازل، لفت الخبير إلى أن "إقامة هذه الأبراج على مسافة ليست بعيدة عن تمركز جيش الاحتلال، هو إجراء سيادي للمقاومة فيه إغاظة للاحتلال، والمقاومة بالتالي تؤكد سيادتها على تلك المناطق".

وذكر أن "الاحتلال في ذات الوقت لا يرغب في بقاء هذه الحالة، ولكنه يخشى من تدهور الأوضاع في حال قام بتدميرها"، منوها أن "أبراج المراقبة تمنح المقاومة فرصة بأن تبقى عينها مفتوحة على العدو، وأن تقوم بإيصال ما تريد من رسائل عبرها للاحتلال، وتمكنها أيضا من تعمية العدو عن قضايا معينة تخطط لها".

معركة تقترب

من جانبه، أوضح الباحث المختص في الشأن الإسرائيلي عماد أبو عواد، أن "حالة الصراع مع الاحتلال تتصاعد وتأخذ أشكالا جديدة، والاحتلال تماما في تعاطيه مع المقاومة في غزة كمن يحاول ابتلاع المنجل؛ فهو لا يستطيع ابتلاعه ولا إخراجه".

ونبه في حديثه لـ"عربي21"، أن "حكومة الاحتلال تريد تسجيل نصر أمام الجمهور الإسرائيلي ضد المقاومة، وفي ذات الوقت لا تريد استفزاز المقاومة في غزة والتصادم معها واندلاع حرب جديدة، لذا كان استهداف برج المراقبة في شمال القطاع بشكل جزئي، من أجل الحفاظ على ما يعرف بوتيرة الاحتكاك الحالي دون الانجرار إلى احتكاك أكبر".

وأكد عواد، أن "مجرد وجود أبراج المقاومة هو دليل تحد للاحتلال، وتسليم الأخير بوجود مقاومة فلسطينية تتربص به، وأيضا عدم قدرة الاحتلال على إزالة الأبراج دليل ردع؛ وهذا يساهم في زيادة إيمان أهل غزة بالمقاومة".

ولفت إلى أن "الأبراج تثير رعب المستوطنين حتى لو لم تكن تؤثر عليهم من الناحية الأمنية، لكن من الجانب النفسي تؤثر على المستوطنين المتواجدين في غلاف غزة بشكل كبير، وتؤثر على الدولة ككل، التي اضطرت أن تدمر البرج بشكل جزئي"، منوها أن "لدى المقاومة والاحتلال قناعات بضرورة تخفيض الاحتكاك إلى الحد البعيد، ولكن هذا لن يستمر والمعركة القادمة تقترب يوما بعد يوم".