أثار توقيع اتفاق "إعلان النوايا" بين الأردن والإمارات والاحتلال الإسرائيلي تكهنات وتساؤلات واسعة في الأوساط السياسية الأردنية حول انفراجة في العلاقات بين عمان وأبوظبي.

وبعد يوم من كشف وزارة المياه الأردنية عن "إعلان النوايا" في 22 تشرين الثاني/نوفمبر الفائت، زار الملك الأردني عبد الله الثاني الإمارات، وأجرى مباحثات مع ولي عهد أبوظبي، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، "تناولت العلاقات الأخوية بين البلدين، والمستجدات في المنطقة والقضايا العربية" وفق وكالة الأنباء الأردنية الرسمية (بترا).

وقالت "بترا" إن ولي عهد أبوظبي أكد حرص الإمارات على تنمية التعاون مع الأردن، خاصة في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية والطاقة والبيئة، بما يخدم التنمية المستدامة في البلدين، ويحقق تطلعاتهما.

وأثارت هذه التطورات تساؤلات حول نجاعة اتخاذ الإمارات مشروع "الماء مقابل الكهرباء" مدخلا لتطوير علاقتها مع الأردن، وإمكانية تأزم هذه العلاقة مجدداً في حال لم يكتمل هذا الاتفاق، وما هي الأهداف التي يسعى كلا البلدين لتحقيقها من وراء بناء جسور التوافق بينهما؟ وهل ثمة ضغوط أمريكية تقف وراء كل ذلك؟

 

 

 

 

اقرأ ايضا: أردنيون يخرجون للأسبوع الثاني رفضا للتطبيع مع الاحتلال (شاهد)

"العلاقات غير متأزمة أصلاً"

يرى النائب السابق هايل ودعان الدعجة، الذي ترأس لجنة الأخوة البرلمانية الأردنية - الإماراتية، أن العلاقات بين عمّان وأبوظبي لم تكن متأزمة أصلا، وإنما هناك وجهات نظر مختلفة حيال ملف القضية الفلسطينية، "والكل يخدم هذا الملف من زاويته، وبالقدر الذي يرى أنه يخدمه".

وقال لـ"عربي21" إن العلاقات الأردنية الإماراتية "تنطوي على خصوصية، فهي تاريخية وراسخة، وتمثل أنموذجا للعلاقات العربية - العربية بشكل عام"، لافتا إلى أن "الإمارات تقف دوما إلى جانب الأردن في ظل الظروف المختلفة، ودائما ما تندرج الزيارات بين قيادتي البلدين في إطار التشاور والتنسيق بما فيه مصلحة البلدين".

وفيما إذا كان إعلان النوايا مدخلا مناسبا لتطوير العلاقات بين الأردن والإمارات؛ أوضح الدعجة أن "هذا الإعلان ليس معيارا للعلاقة بين البلدين، وإنْ كانت أبوظبي ترى أنها بتمويل هذا المشروع تقدم خدمة للأردن الذي يعاني من شح المياه".

وأضاف أن "إعلان النوايا" مرفوض من كافة المكونات الحزبية والنقابية والشعبية في الأردن، مع أنه محكوم على الصعيد الرسمي بمعاهدة السلام الموقعة بين الأردن و"إسرائيل"، وبالتالي "فإن تقييم التعاطي الإماراتي معه يختلف ما بين الشعبي والرسمي"، مستبعِدا أن "يؤزم فشل المشروع العلاقة بين البلدين".

ولفت الدعجة إلى أن الأردن لا يستغني عن الإمارات، التي هي داعم قوي ومهم بالنسبة له في ظل التحديات الاقتصادية التي يمر بها، مشيدا بالأجواء المريحة التي تعيشها الجالية الأردنية في الإمارات، "والتي تضع الشارع الأردني في صورة الدفء الذي يغلف العلاقة بين البلدين".

 

"إسرائيل" تتوسع عربيا من بوابة الطاقة والتكنولوجيا والأمن


"ليس نكاية بالسعودية"

واستبعد الدعجة القول بأن الإمارات تتقرب من الأردن نكاية بالسعودية، "فكل من أبوظبي والرياض يسيران معا بما يحقق مصلحة البلدين، وبينهما العديد من الملفات المشتركة، كمحاربة الإرهاب، والتحالف في اليمن، والموقف من الملف العراقي، وكيفية التعاطي مع إيران".

وأوضح أن الأردن "لا يقبل أن يُتخذ ورقة لطرف عربي على حساب طرف آخر، وهو حريص جدا على أن يبقي على علاقة قوية مع كل من الإمارات والسعودية، وهذا الحرص مفهوم لدى كافة دول الخليج، التي تراعي بدورها موقف الأردن ومدى حاجته إلى أشقائه".

وتعقيبا على الحديث عن وجود ضغوطات أمريكية أو إسرائيلية تمارس على الأردن والإمارات لتحسين العلاقات بينهما؛ أشار العضو السابق في البرلمان الأردني، إلى أن الملك تحدث عن وجود ضغوط اقتصادية على الأردن نتيجة لمواقفه السياسية، وخاصة فيما يتعلق بملف القدس.

وبيّن الدعجة أن "ملف القضية الفلسطينية ككل يُشتمّ منه وجود ضغوطات أمريكية ليس فقط على الأردن والإمارات، وإنما على كافة الدول؛ لدفعها إلى التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، ومحاولة بعثرة أجندات المنطقة؛ من خلال جعل إيران هي العدو الأول للدول العربية وليس "إسرائيل"".

وتأزمت العلاقات الأردنية الإماراتية بسبب الخلاف العائلي الذي وصل إلى المحاكم البريطانية؛ بين الأميرة هيا ابنة الملك الراحل الحسين بن طلال، وبين زوجها حاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم، ليضيف اتفاق التطبيع الإماراتي الإسرائيلي عاملا جديدا لهذه الأزمة، باعتبار أنه قوّى رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو، وأضعف مبدأ "الأرض مقابل السلام" وما يسمى بـ"حل الدولتين" الذي يتبناه ويروّج له الأردن.

 

 آلاف الأردنيين يتظاهرون رفضا لاتفاق الماء مع الاحتلال (شاهد)

"تدفئة العلاقات"

ورأى الكاتب والمحلل السياسي داود كتاب، أن "إعلان النوايا حلَّ كثيراً من العقد التي كانت موجودة بين الأردن والإمارات، وساعد في تدفئة العلاقات بينهما".

وأضاف لـ"عربي21" أن الإمارات شعرت أنها ابتعدت عن الصف العربي، واستفردت بموضوع التطبيع والاتفاق الإبراهيمي، وتعرّت شعبياً، وبالتالي هي بحاجة إلى تحسين علاقتها مع الأردن لتوسيع مجموعة المطبّعين مع الاحتلال الإسرائيلي.

ولفت إلى أن التمويل الإماراتي لمشروع "الماء مقابل الكهرباء" ينطوي على أهداف سياسية، فلو أرادت أبوظبي أن تساعد الأردن وحسب؛ لكان بمقدورها أن تفعل ذلك دون حاجة إلى الذهاب لـ"إسرائيل"، وذلك من خلال دعمها لمشروع تحلية مياه البحر الأحمر.

ورأى أن العلاقة بين الأردن والإمارات لن تتأزم في حال فشل مشروع "الماء مقابل الكهرباء"، معللا ذلك بأن الأردن غامرت ودفعت ثمنا سياسيا مقابل تحسين علاقتها مع الإمارات، وبالتالي فإن على هذه الأخيرة أن تقدر الموقف الأردني.

ولفت إلى أن الأردن تحتاج إلى الإمارات أكثر من العكس، فهي بتوطيد علاقتها مع أبوظبي تحافظ على جاليتها هناك، وتفتح البيئة الاستثمارية الإماراتية في البلاد، مستدركاً بأن الإمارات أيضاً بحاجة إلى الأردن لتوسيع دائرة الاتفاق الإبراهيمي، ولتثبت أنها تقدم خدمة من خلاله للدول العربية كلها، وليس لذاتها وحسب.

واستبعد كُتاب أن يكون لانفراج العلاقة بين الأردن والإمارات تأثير على القضية الفلسطينية، "لا سلبا ولا إيجابا"، لافتا إلى أن "القضية الفلسطينية أعقد من ذلك، وبالتالي هي تتطلب تدخلا أمريكيا لحل الصراع العربي الإسرائيلي".

ونفى أن تكون واشنطن قد مارست ضغوطا على الأردن والإمارات لتحسين العلاقات بينهما، موضحا أن الضغوطات هذه المرة داخلية، فالأردن عنده مشكلة مائية وأخرى سياسية؛ تتمثل في فتور علاقاته مع الخليج.

وتجدر الإشارة إلى أن الأردن مرتبط بـ"اتفاقية سلام" مع "إسرائيل" منذ عام 1994، فيما عرف باتفاقية "وادي عربة" (صحراء أردنية محاذية لفلسطين)، والتي نصت على إنهاء حالة العداء بين البلدين، وتطبيق أحكام ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي بشأن العلاقات بين الدول.