عندما يضطر الأطفال الصغار لتحمل هموم وأعباء أكبر من قدراتهم وأرواحهم البريئة. تجارب وقصص موجعة رويت وأخرى طي الكتمان أو التجاهل لأطفال يشقون طريقهم إلى أوروبا بحثاً عن حياة طبيعية. تقرير من مجلة "دير شبيغل" يروي القصة.

لا توجد بداية صحيحة لهذا الموضوع .. يمكن أن يبدأ في أفغانستان، حيث أحرق منزل عائلة وتشتت أفرادها فيما بعد.. أو في مخيم موريا، حيث أخبر بعض الأطفال المساعدين أنهم قد يقدمون الجنس للبالغين مقابل تأمين مكان في خيمة ليقيموا فيه.. أو في أي مكان آخر حيث يعاني الأطفال من الصدمات النفسية الناتجة عن ظروف غير إنسانية قد اختبروها.

بعد شهور من النضال وصل حوالي 700 قاصر غير مصحوبين بذويهم أحضروا من مخيمات اللاجئين اليونانية منذ آذار/ مارس 2020 إلى العديد من الأماكن في أوروبا ضمن برنامج للاتحاد الأوروبي يخص اللاجئين القصر، حيث استقبلت 13 دولة في أوروبا الأشخاص القاصرين "المعرضين للخطر بشكل خاص".

وكان معظم القاصرين غير المصحوبين بذويهم حتى ذلك الحين يعيشون في ظل ظروف غير إنسانية وغير صحية في مخيم موريا، أشهر المخيمات على الجانب الشرقي من جزيرة ليسبوس اليونانية، وتوزعوا الآن في فنلندا أو البرتغال أو أيرلندا أو بلجيكا. ويعيش أكثر من 200 قاصر منهم الآن في ألمانيا.

وقد ألقت مجلة "دير شبيغل" الألمانية الضوء على المعاناة والظروف الكارثية التي يعيشها الأطفال في تلك المخيمات، إضافة إلى المخاطر والاستغلال الذي يتعرضون له هناك.

رحيلة وناصر

ولدت رحيلة في غرب أفغانستان، في وادي هرات، حيث كانت تعيش مع عائلتها المكونة من الوالدين و خمسة أطفال، وكان والدهم يعمل في الجيش. وبعد وقت قصير من وفاته، تعرض منزلهم لهجوم وحريق من قبل طالبان كما يتوقع، مما أدى لوفاة الشقيقة الصغرى في النيران. بعد ذلك، فرت الأسرة إلى ورامين، بالقرب من طهران، حيث راحوا يبيعون العلكة في الشارع لتأمين المال، إلى أن توفيت أختها الأخرى دهساً.

وقررت الشقيقة الكبرى رحيلة البالغة من العمر (23) عاماً السفر مع زوجها وأولادها وشقيقها ناصر البالغ من العمر (12) عاماً. فيما بقيت الأم في إيران مع الأخ الأصغر، ووصلوا ليسبوس في آب/ أغسطس 2019.

في ليسبوس، كانت هناك ثكنات عسكرية للكتيبة من الحرس الوطني اليوناني ذات يوم. ولكن تم إغلاقها في عام 2013 و إنشاء مركز تسجيل واستقبال للاجئين.

في عام 2015، تم إعلان موريا "نقطة ساخنة"، وهو مخيم من المفترض أن يتم احترام حقوق الإنسان فيه، بوجود 2800 لاجئ كحد أقصى، لمن لا يتجاوز الـ 30 يوماً، بمعنى أن تكون محطة توقف ليس إلا، حسبما أعلنت الحكومة اليونانية.

مخيم موريا للاجئين في اليونان

صورة توضح الأوضاع المزرية التي كان يعيشها الأطفال في مخيم موريا في جزيرة ليسبوس اليونانية

مآسي المخيم المزدحم

في خريف 2019 أفادت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عن وجود 12600 شخص في موريا في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، مما جعل  المخيم مكتظاً للغاية، فيما يأتي  المزيد من اللاجئين إلى البلاد على الرغم من اتفاق الاتحاد الأوروبي مع تركيا. ولم تعد موريا محطة توقف. إذ غالباً ما يستغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل أن يتمكن اللاجئون من التقدم بطلب اللجوء، ووقتاً أطول لعقد جلسة استماع، وأحياناً ينتظرون لسنوات قبل أن يتم اتخاذ القرار.

وبات مخيم موريا مرادفاً  للرعب على حافة أوروبا نظراً لظروفه الكارثية.

في موريا، أصيب ناصر، شقيق رحيلة، بالمرض في ثكنته في الغابة، وكان يشعر بألم لا يحتمل في عظامه وحلقه. فذهب إلى خيمة المفوضية، حيث أُبلغ أن الجزء الرسمي من المخيم ممتلئ. ولكنه قال لهم:  "مرحباً، ما زلت طفلاً، وأنا مريض. لماذا لا يُسمح لي بالدخول؟ "

لاحقاً، تم قبول ناصر في المنطقة الآمنة، وفي ليلة الميلاد تم تحضير زيارة بابا نويل للأطفال مرتدياً سروالاً أحمر وسترة حمراء ولحية رمادية. المشهد الذي أثر في ناصر كثيراً وقال إنه لم ير أبداً شيئاً كهذا: "كان مذهلاً".

أطفال وتجارب مؤلمة

بعد أن تعهدت سبع دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي باستقبال 1600 لاجئ على الأقل من القاصرين غير المصحوبين بذويهم والذين بحاجة لحماية خاصة، من مخيمات اللاجئين المكتظة بشدة في الجزر اليونانية.

كان يجب إجراء مقابلة مع كل طفل، والتحقق من كل منهم لمعرفة ما إذا كان يوافق المعايير المطلوبة لنقله إلى ألمانيا.

ينقل تقرير مجلة "دير شبيغل" لقاء كلاس مورغنسترن، من مفوضية اللاجئين، مع سليمان الذي يبلغ من العمر (11) عاماً ويرتدي قميص ميكي ماوس. غادر إيران إلى أوروبا مع والديه وخمس شقيقات وثلاثة أشقاء. بقيت الأسرة في تركيا، فيما أخذ سليمان الزورق المطاطي 11 مرة، إلى أن وصل ليسبوس في المحاولة الثانية عشرة. 

تستمر المقابلات عادة مثل مقابلة مورغنسترن مع سليمان، ثلاث ساعات على الأقل. كثيراً ما ينهار الأطفال ويبكون بشدة، وأحياناً يبكي مقدمو الرعاية أيضاً معهم من هول القصص المسيئة والتجارب المؤلمة التي تعرض الأطفال لها كالتحرش والاغتصاب والعنف، حسبما ينقل تقرير المجلة الألمانية.

ويعاني معظم الأطفال الذين يعيشون في المخيم من أمراض جلدية، بسبب الافتقار للنظافة الشخصية داخل المخيم، وأمراض بالجهاز التنفسي وأمراض أخرى بسبب الظروف الصحية المتردية.

أطفال يحاولون الانتحار

وقد أفاد علماء النفس الموجودون في المخيم أن أطفالاً كثيرين هناك يعانون من الاكتئاب، إذ يقصون شعورهم ويقطعون أذرعهم بشفرات حلاقة وسكاكين ومقصات. فيما يعبر آخرون عن يأسهم بالصراخ المتواصل، والبعض الآخر بالصمت المطبق. إضافة إلى محاولات الانتحار المتكررة لأطفال لم يتجاوزوا العاشرة من العمر، من بينهم طفلة تبلغ من العمر (8 ) سنوات حاولت شنق نفسها. إضافة إلى الهلع ومشاكل في النوم، كما أن العديد من الأطفال يسيرون وهم نيام منذ اندلاع الحريق، أو يركضون إلى البحر هرباً من الحريق. مما يضطر بعض الآباء لربط أطفالهم ليلاً. وقد يكون ذلك نتيجة للعنف والمشاجرات التي تحدث بشكل متكرر في المخيم والتجارب المؤلمة التي مروا بها.

وبحسب الخبراء فإن هؤلاء الأطفال يعانون من صدمة في كثير من الأحيان بسبب الصراعات التي عانوا منها في بلدانهم الأصلية، خاصة أن الظروف السيئة في مخيم موريا تزيد من سوء وضعهم.

الأطفال ينامون في العراء بعدما تدمر مخيم موريا (13/9/2020)

الأطفال ينامون في العراء بعدما تدمر مخيم موريا

سياسة لجوء ضبابية

كان وداع ناصر و شقيقته رحيلة مليئاً بالدموع والحزن بسبب فراقهما، إذ تم قبول ناصر ضمن برنامج الاتحاد الأوروبي للاجئين القاصرين دون ذويهم، لأنه برفقة أخته وليست والدته، وتم نقله إلى ألمانيا فيما بقيت رحيلة وعائلتها في اليونان. 

كما تم قبول سليمان الطفل الذي يرتدي قميص ميكي ماوس أيضاً، الطفل الذي نجح في محاولته الثانية عشر، والذي تعلق عليه عائلته في تركيا الأمل بأن يتمكن من طلبهم لينضموا إليه في أوروبا. وعلى الرغم من هذه الخطوة من قبل الاتحاد الأوروبي غير أن هذا لا يعني أن ظروف المخيم ملائمة للأشخاص الذي ظلوا هناك.

وتنقل مجلة "دير شبيغل" في تقريرها عن باحث في شؤون الهجرة قوله، إن مشكلة سياسة اللاجئين الحالية هي أنها لا تستند إلى مفهوم واضح، بل على لحظات من التعاطف التي يحددها اهتمام وسائل الإعلام. التعاطف جيد، لكنه يتلاشى. السياسة التي لا يتم اتباعها إلا بالتعاطف تنتهي بسرعة.

ريم ضوا، المصدر: مهاجر نيوز

  • BG Flüchtlingskrise Griechenland/Türkei (Getty Images/AFP/O. Kose)

    مشاهد إنسانية مؤثرة على الحدود اليونانية التركية..هروب إلى المجهول

    عبور في حضن أب لاجئ

    أب يعبر من تركيا إلى اليونان، ويبدو محتضنا فلذة كبده، في مشهد مؤثر ويختزل الوضع الإنساني المرير الذي يعانيه آلاف اللاجئين الهاربين نحو المجهول بين حدود تركيا واليونان.

  • Türkei Edirne Ausschreitungen an Grenzübergang zu Griechenland (picture-alliance/AA/G. Balci)

    مشاهد إنسانية مؤثرة على الحدود اليونانية التركية..هروب إلى المجهول

    السياج الحدودي يحول دون عبور اللاجئين

    يستمر تدفق المهاجرين منذ أيام إلى الحدود اليونانية-التركية في ظل أجواء شديدة البرودة. الكثير منهم لا يحملون سوى أمتعة خفيفة و القليل من الزاد. و رغم انهم جاءوا متمنين حدوداً مفتوحة، وجدوا فى إنتظارهم أسلاكاً شائكة وغازاً مسيلاً للدموع.

  • Türkei Ausschreitungen am Grenzübergang Pazarkule zu Griechenland (picture-alliance/AA/G. Balci)

    مشاهد إنسانية مؤثرة على الحدود اليونانية التركية..هروب إلى المجهول

    الأعداد في تزايد مستمر

    رغم الأعداد المهولة تظل الحدود مغلقة في وجوههم. ففي المعبر الحدودي بازاركول يحتشد وفقاً لمنظمة الهجرة العالمية قرابة ثلاثة عشر ألف مهاجر، بينهم عائلات و أطفال. و كان وزير الداخلية التركي سليمان صويلو غرد عبر حسابه الرسمى على تويتر بأن قرابة ثمانية وسبعين الفاً في طريقهم إلى مدينة أدرنة الواقعة على الحدود التركية مع اليونان و بلغاريا.

  • Türkei Ausschreitungen am Grenzübergang Pazarkule zu Griechenland (Reuters/H. Aldemir)

    مشاهد إنسانية مؤثرة على الحدود اليونانية التركية..هروب إلى المجهول

    قنابل الغاز في مواجهة النازحين

    يخيم التوتر على الوضع في المنطقة الحدودية في ظل تصاعد الإشتباكات بين المهاجرين وشرطة الحدود اليونانية في الأيام الماضية، حيث حاولت عناصر الأمن السيطرة على الوضع باستخدام الغاز المسيل للدموع و رذاذ الفلفل، فكان رد بعض المهاجرين إلقاء الحجارة باتجاه أفراد الشرطة.

  • Türkei Flüchtlinge überqueren den Evros-Fluss, um Griechenland zu erreichen (picture-alliance/AA/O. Coban)

    مشاهد إنسانية مؤثرة على الحدود اليونانية التركية..هروب إلى المجهول

    مخاطر على نهر ايفروس الحدودي

    حاولت أم سورية و ابنتها عبور نهر ايفروس الحدودي بين اليونان وتركيا، ولكن قبل وصولهما للشواطئ اليونانية امتلأ قاربهما بالمياه، مما أدى إلى غرق القارب وعلقهما على جزيرة صغيرة. و رغم أن المتطوعين استطاعوا إنقاذهما، إلا أن هناك الكثيرين غيرهما ممن يحاولون أن يسلكوا هذا الطريق للوصول إلى أوروبا.

  • Türkei Flüchtlinge überqueren den Evros-Fluss, um Griechenland zu erreichen (picture-alliance/AA/O. Coban)

    مشاهد إنسانية مؤثرة على الحدود اليونانية التركية..هروب إلى المجهول

    إحباط محاولات العبور عن طريق نهر ايفروس

    احبطت سلطات خفرالسواحل اليونانية حوالى أربعة الاف محاولة عبورغير شرعية الى شواطئها عن طريق نهر ايفروس. و قال ناطق بأسم الحكومة اليونانية فى أثينا ان هذه الإجراءات هي حماية للحدود اليونانية و الأوروبية. سلك هذا الطريق الألاف من المهاجرين في السنوات الماضية، وغرق منهم في النهر الكثيرون. و لكن رغم خطورته مازال المهاجرون يحاولون عبوره للوصول الى الاراضي اليونانية.

  • Türkisch-griechische Grenze - Ursula Von der Leyen (picture-aliance/dpa/AP/Greek Prime Minister's Office/D. Papamitsos)

    مشاهد إنسانية مؤثرة على الحدود اليونانية التركية..هروب إلى المجهول

    رئيسة المفوضية الأوروبية تزور المنطقة الحدودية

    في لفتة تضامنية مع اليونان زارت رئيسة المفوضية الأوروبية ارسولا فون دير لاين منطقة اوريستيادا الواقعة على حدود اليونان وتركيا لمتابعة الوضع عن كثب. و قالت فون دير لاين إن أوروبا تشارك القلق اليوناني، حيث شددت على أن هذه الحدود ليست فقط حدوداً يونانية، بل ايضاً أوروبية.

  • BG Flüchtlingskrise Griechenland/Türkei (Getty Images/AFP/A. Messinis)

    مشاهد إنسانية مؤثرة على الحدود اليونانية التركية..هروب إلى المجهول

    مفاجأة غير سارة للاجئين!

    تسود حالة من التوتر بين سكان جزيرة ليسبوس اليونانية ترقباً لوصول الآلاف من المهاجرين. في الصورة: عدد من سكان الجزيرة وهم يقفون في وجه لاجئين وصولوا على متن قاربهم، في محاولة لتوجيه رسالة بإغلاق الطريق أمام المجموعات القادمة. كما أفاد صحافيون في الجزيرة أنهم يتعرضون للتهديد من قبل السكان. و يستمر الوضع في التأزم في ظل ترقب لوصول المزيد من اللاجئين في الأيام المقبلة. إعداد بينيكه ميريام/ سلمى حامد