في الوقت الذي تعمل فيه الحكومة المصرية على مشروعات عملاقة تتكلف مليارات الدولارات عبر الاستدانة الداخلية والخارجية؛ تقوم في النهاية بإسناد تلك المشروعات لشركات عالمية لإدارتها لسنوات طويلة بمقابل مبالغ كبيرة، وبرغم وجود البديل المصري، ما يمثل علامات استفهام.

وبعد افتتاح خط مترو أنفاق القاهرة الثالث أسندت الحكومة إدارة الخط الجديد -تكلف (97 مليار جنيه)- وأعمال التشغيل والصيانة لشركة "RATP DEV" الفرنسية لمدة 15 عاما مقابل (1.138 مليار يورو).

 


وفي تبرير غير مقنع للمراقبين، قال وزير النقل المهندس كامل الوزير، إن هذا الإسناد يأتي للتخفيف عن الشركة المصرية لإدارة مترو الأنفاق التي تشغل الخط الأول والثاني والمراحل (الأولى والثانية والرابعة من الخط الثالث).

وفي نفس السياق، أسندت الهيئة القومية للأنفاق أعمال الخدمات الاستشارية وإدارة ومراجعة التصميم والإشراف على التنفيذ لخطى مونوريل العاصمة الإدارية الجديدة ومدينة 6 أكتوبر -يتكلف (4.5 مليار دولار)- لاتحاد "هيل إنترناشيونال وHJI Group"، مقابل مليار جنيه.

وتقوم شركة "بومبارديه" العالمية للنقل والهيئة القومية للأنفاق وتحالف شركتي أوراسكوم والمقاولون العرب، بإنشاء وصيانة مشروع مونوريل لربط القاهرة بكل من العاصمة الإدارية الجديدة، ومدينة 6 أكتوبر، بإجمالي طول 96 كيلومترا، ويشمل العقد الممتد لـ30 سنة تنفيذ وتشغيل وصيانة خطوط المونوريل.

 


مراقبون تحدثوا لـ"عربي21"، وانتقدوا إسناد تلك المشروعات التي تتكلف مليارات الدولارات ومعظمها بقروض خارجية وعوائدها من جيوب المصريين إلى إدارة شركات أجنبية، وخاصة في ظل وجود البديل المصري لإدارتها.

"خسائر متوقعة.. وغرق بالديون"

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي المصري رضا عيسى، إن "تجاربنا بإدارة مرفق النقل والمواصلات على مدار عقود غير ناجحة، بداية من السكة الحديد وليس انتهاء بمترو الأنفاق".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أرجع "سبب ذلك الفشل لفوائد الديون على اتفاقيات القروض على تلك القطاعات، والتي تضاعفت وفوائدها مؤخرا إلى 100 ضعف".

 

 السيسي صانع المعجزات ..داء نفسي أم إستراتيجية خداع

ولفت إلى "أننا بهذه القرارات نرجع للوراء عقودا عندما تم إسناد إدارة الخط الأول لمترو الأنفاق لإدارة فرنسية، وها نحن نعيد الكرة، وكان من المفترض والطبيعي أن نتعلم إدراة مشروعاتنا بأنفسنا".

عيسى، تحدث عن تأثير مباشر على المصريين مع إسناد إدارة تلك القطاعات لشركات أجنبية، مؤكدا أنه "ستتضاعف فاتورتها من جيوب المصريين وسيتم زيادة أسعار الركوب أكثر مما هي عليه ولن تكون نهاية طوفان الزيادات".

وأشار أيضا إلى تأثير تلك القرارات على الاقتصاد، مبينا أن "إيرادات المترو ومن بعده المونوريل بالجنيه المصري يدفعها الركاب المصريين، بينما عقود الإسناد للشركات الأجنبية مقابل الإدارة تدفع لها بالدولار واليورو، ومن الطبيعي دفعها بعملة الدولة".

وأوضح الخبير الاقتصادي أن "ذلك يؤثر على حجم العملة الأجنبية بسوق الصرف المصرية، حيث تتحول إدارة المترو والمونوريل لمشتري للدولار من السوق ما يزيد من أزمة العملة الأجنبية بالبلاد ويخفض قيمة الجنيه".

وقال إن "مصر ثاني دولة بعد بريطانيا تنشئ خطوط السكة الحديد، ومع ذلك لدينا مشكلة بالإدارة واللوائح والقوانين المسيرة للعمل، ونسند الإدارة لغير أهلها وإلى المقربين وأهل الثقة لا الخبرة"، ضاربا المثل بتعيين ضابط مهندس إنشاءات لا علاقة له بالقطاع كوزير للنقل (الفريق كامل الوزير).

ويتوقع عيسى، "غرق المترو والمونوريل بالديون، كما غرقت السكة الحديد وأصبحت فوائد الديون عليها الآن 200 مليار جنيه بدلامن 20 مليارا، حسب ميزانية السكة الحديد بالموقع الرسمي لوزارة المالية".

"مبالغ مهولة"

من جانبه، قال الخبير المصري بمجال الإدارة والتخطيط، الدكتور هاني سليمان: "قد يكون تبرير الحكومة بإسناد تشغيل وإدارة هذه المرافق لشركات أجنبية فيه شيء من الصحة، لكنه يطرح أسئلة كثيرة".

سليمان، تساءل بحديثه لـ"عربي21": "هل ينقص مصر الخبرات والكفاءات التي تستطيع إدارة وتشغيل هذه المرافق؟، وأليس من الأفضل صرف بعض هذه المبالغ المهولة لتدريب وإعداد كفاءات مصرية تقوم بالمهمة؟".

ولفت إلى أن "الاحتمال الآخر - والذي لا أستبعده - أن يكون إسناد هذه العمليات لشركات أجنبية جزء من اتفاق (سياسي- اقتصادي) بين مصر ودول بأوروبا وأمريكا مثلا، لتقوم شركاتها بإدارة وتشغيل المرافق المصرية الجديدة، وربما القديمة أيضا".

كما أشار رئيس مجلس إدارة مجموعة تنمية القيادة (LDG)، إلى أن "تلك الدول وشركاتها تستفيد اقتصاديا مقابل غض النظر سياسيا عما يجري بمصر من انتهاكات لحقوق الإنسان، وعدم تصعيد أو النظر بشكاوى المنظمات الحقوقية".

ويعتقد أن "الاحتمال الثالث هو أن تكون هناك (استفادة شخصية) لبعض كبار رجال الدولة من هذه الاتفاقيات، وما قضية ملك إسبانيا السابق وتورطه المالي مع السعودية بإنشاء خط القطار السريع بمكة، ببعيدة".

وقال: "المهم أن كل هذه الأسباب والمبررات سواء كانت قانونية أو غير قانونية تتم بعيدا عن رقابة البرلمان وبمناخ ينقصه الشفافية تماما، وبالتالي يرجح هذا الاحتمالات غير السوية، وهو ما تعودنا عليه من نظام السيسي وحكوماته المتعاقبة، بل هو ما تعودنا عليه من حكم العسكر".

"الاقتصاد المسموم"

وفي رؤيته قال المستشار الاقتصادي، حسام الشاذلي،: "تقييم تصرفات النظام بمصر هام في ضوء الإستراتيجية الاقتصادية التي ينتهجها؛ فالقروض الفلكية التي ورط بها السيسي الأجيال القادمة وجه آخر لإعطاء مفاتيح اقتصاد مصر لمؤسسات التمويل الأجنبي خاصة مع الخضوع الكامل لشروطها التي تركت تأثيرا مدمرا على الطبقة المتوسطة والفقيرة والعملة والسوق المصري".

وأكد لـ"عربي21"، أن "تلك العقود المشبوهة التي يوقعها النظام ومؤسسات دولية لإدارة مشاريع النقل العام وغيره؛ استمرار للسياسة الاقتصادية المسمومة ذات الأبعاد الخطيرة على المنظومة الاقتصادية وأمن مصر القومي".

الشاذلي، حذر من "تمكن الأيادي الأجنبية وتحكمها بشرايين هامة بالحدود المصرية كالمترو، وخطي المونوريل، وما يتبعه ذلك بالحد من قدرة مؤسسات الرقابة المصرية على مراقبة الدفاتر الحسابية للشركات الدولية والعقود المرتبطة بها، مما يفاقم خطر الفساد الحسابي والتعاقدي لعقود بالمليارات".

وأشار أيضا إلى "تورط اقتصاد مصر بديون ضخمة حال فشل تلك الشركات بتحقيق عائد يغطي مستحقات الديون والتزامات التعاقد؛ وكذلك تعطي التعاقدات جهات أجنبية القدرة على جمع بيانات حساسة عن تنقلات المصريين وأعداد الركاب وغيرها، ما يمس الأمن القومي مباشرة".

واستدرك الخبير الاقتصادي بالقول: "لكنه من الواضح أن منظومة الاقتصاد المسموم والتي وصفتها مسبقة بعدة مقالات بـ (عربي21)، يمكنها تفسير كيف يهتم النظام بمنظومة الاقتصاد الكلي المعنية بتوظيف كل الموارد المصرية لتحسين صورة النظام الحاكم أمام المجتمع الدولي".

وتابع: "وذلك عبر القروض وعقد صفقات ضخمة تضمن دعم جهات ودول معينة للنظام، وتوفر غطاءً سياسيا بمواجهة الانتقادات الدولية لانتهاكات حقوق الإنسان وديكتاتورية نظام يتحدى المواثيق والأعراف الدولية، ويتجاهل منظومة الاقتصاد المسموم، ويتجاهل التأثيرات المدمرة لهذه السياسات على المصريين".