في الوقت الذي أصدر فيه الأزهر الشريف فتوى قاطعة تؤكد أن صيام شهر رمضان لا ضرر منه مع وباء كورونا؛ أعلن أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية أنهم في إطار دراسة الرأي الشرعي. وأكد المتحدث باسم وزارة الأوقاف أن الأمر يرجع لرأي الأطباء.

موقف الإفتاء والأوقاف أثار التساؤلات والتكهنات حول ما إذا كان هناك توجه رسمي للإفتاء بإفطار رمضان، خاصة وأنه انطلقت عبر الفضائيات المصرية فتاوى تجيز إفطار رمضان بسبب جائحة كورونا مبكرا.

وفي 25 آذار/ مارس الماضي، أفتى الأستاذ بجامعة الأزهر مبروك عطية، عبر برنامج "يحدث في مصر"، بفضائية "إم بي سي مصر"، أنه لو جاء رمضان ولم تُكشف الأزمة، وثبت علميا أن الوقاية من المرض تقتضي بل الريق كل فترة وجب الفطر.

وأضاف مبروك المثير للجدل، أنه "ولو أن صيام المريض يؤجل شفاءه أو أن الإفطار يقرب الشفاء؛ فيجوز الإفطار".

 

 

"جدل رغم فتوى الأزهر"

ورغم أن فتوى الأزهر، جاءت في الأول من نيسان/ أبريل الجاري، والمفترض أن ينتهي الجدل، إلا أن الصحف المصرية طرحت التساؤل مجددا السبت الماضي، على المستشار العلمي لمفتي الجمهورية، مجدي عاشور.

وقال عاشور، لصحيفة "اليوم السابع" المحلية، إنه "لا يوجد حكم شرعي حتى الآن، ولا نستطيع إصدار رأي دون الأطباء"، مشيرا إلى وجود آراء طبية تلزم بضرورة ألا يجف الحلق.

وأوضح، في تصريحات إعلامية أخرى، أن "دار الإفتاء شكلت لجنة يترأسها المفتي شوقي علام، وتضم أساتذة بالطب والمناعة، وسوف تصدر اللجنة فتواها الشرعية".

وبرغم فتوى الأزهر؛ إلا أن دار الإفتاء المصرية قالت الأحد الماضي، "إن الأمر سابق لأوانه، وإنه لا يجوز للمسلم أن يفطر رمضان إلا إذا قرر الأطباء وثبت علميا أن الصيام سيجعله عرضة للمرض أو الموت"، مشيرة إلى أن "هذا لم يثبت علميا حتى اللحظة".

وبرغم فتوى الأزهر أيضا، إلا أن الإعلامي عمرو أديب، هاتف أستاذ الفقه المقارن والأستاذ بالأزهر، سعد الدين الهلالي، عبر برنامج "الحكاية"، بفضائية "إم بي سي مصر"، مساء الاثنين، حيث أفتى الأخير بأنه إذا خاف المسلم على نفسه من الإصابة بكورونا، فليفطر.

وأضاف الهلالي، المثير للجدل بفتاويه الغريبة، أنه حتى لو رفض الطبيب ذلك، فالإنسان أدرى بنفسه، ولا ذنب عليه إن قرر ألا يصوم.

 

"بماذا أفتى الأزهر؟"

أكد الأزهر الشريف في فتواه أن الإسلام حث على حِفظِ النَّفس وصيانتها عبر ما قعَّده الفقهاء من القواعد الوقائية بالشريعة الإسلامية.

وقال إنه لم يثبت علميّا -حتى هذه اللحظة وحسب منظمة الصحة العالمية- أن شرب الماء من الإجراءات الوقائية من الإصابة بهذا المرض، مشيرا لقول المنظمة عبر موقعها الإلكتروني بأن شرب الماء على أهميته "لا يقي من العدوى بكوفيد– 19".

 

 الأوقاف المصرية تمنع تراويح وإفطارات رمضان بسبب كورونا

وأوضح الأزهر أن الصحة العالمية أكدت أنه "لا توجد أي بيِّنة على أن استخدام غسول الفم يقي من العدوى بفيروس كورونا".

وقطع الأزهر بالقول: "وعليه فلا يجوز للمسلمين إفطار رمضان إلا إذا ثبت علميّا أنَّ لعدم شرب الماء تأثيرا صحيّا على الصائمين؛ كإجراء وقائي لهم من الإصابة بهذا المرض بالإفطار في رمضان".

 

مختصون ومراقبون أكدوا أن شيخ الأزهر بتلك الفتوى أغلق الباب تماما أمام الاستخدام السياسي من النظام للفتوى، وأصبح أي حديث عن إفطار رمضان في غير موضعه.

"ليست للعامة"

وفي حديثه لـ"عربي21"، أفتى وكيل وزارة الأوقاف الأسبق الشيخ سالم عبدالجليل، بقوله إن "المؤمن في وقت المحن يتقرب إلى الله تعالى قدر استطاعته ليستجلب عفوه ورحمته، ويلتمس لطفه بكثرة التضرع إليه".

وأضاف: "لذا أرى ألا يمتنع عامة الناس عن الصوم، إلا من كان مريضا، أو تحقق من أن صيامه سيجلب إليه المرض".

"الفتوى لأهلها.. وليس هؤلاء"

وقال الشيخ إبراهيم عبد الراضي من علماء الأزهر الشريف: "الفتوى الرسمية لا تؤخذ من ألسنة أساتذة وطلاب الأزهر، إنما من الأزهر الشريف، ومؤسساته المتمثلة بهيئة كبار العلماء، ودار الإفتاء المصرية، ومجمع البحوث الإسلامية".

وبحديثه لـ"عربي21"، أكد أنه "لم تصدر فتوى رسمية من تلك الجهات تبيح إفطار المسلم بسبب جائحة كورونا، بل أفتى الأزهر بأنه لا يجوز للمسلم الفطر وذلك بالرجوع لمنظمة الصحة العالمية صاحبة الإجماع الطبي المبني على دراسة والتي أكدت أن إفطار رمضان لا يقي من كورونا".

وقال الداعية الأزهري: "وعليه فلا يجوز إفطار رمضان بسبب كورونا حسب الفتوى الرسمية النهائية للأزهر"، منتقدا "قول بعض العلماء بأنه يتم دراسة الأمر، ويجوز الإفطار تحسبا لأمر ما، أو أنه متروك لقرار الأطباء".

ويعتقد أن "هذه الفتاوي مصيبة وتزيد من انتشار الشائعات وخطر كبير وقت ذروة انتشار المرض"، مضيفا: "الرجاء تكميم هذه الأفواه التي تبث الشائعات والكذب، ويجب أخذ الفتوى من أهلها والقرار من أهله".

وختم بالقول: "أما الأفراد مثل الدكتور سعد الهلالي، والشيخ مبروك عطية وغيرهما لا يحسبون على الأزهر، وكل منهم يمثل نفسه وأنا هنا أمثل نفسي، وأنقل فقط ما قاله الأزهر الشريف".

"لا ضرر ولا ضرار"

‏وأكد أستاذ مقاصد الشريعة الإسلامية‏ وصفي أبو زيد، أن "الشرع حدد الأعذار المبيحة للفطر، ومنها السفر والمرض بشرط القضاء، والشيخوخة مع إخراج الفدية".

وقال لـ"عربي21": "والمريض نوعان: يرجى شفاؤه وهذا يفطر وعليه القضاء، والذي لا يرجى شفاؤه فحكمه حكم صاحب الشيخوخة يفطر ويخرج فدية طعام مسكين".

وأوضح أن "مسألة كورونا يرجع أمرها للأطباء، فإذا كان في الصيام ما يمكن أن يجلب المرض فلا ضرر ولا ضرار"، مبينا أنه "بهذه الحالة يُفتى بناء على كلام الطبيب وليس عن كلام فارغ من بعض من يتصدرون الشاشات ويفتون بشكل غير منضبط وغير دقيق".

وأشار أبو زيد إلى أنه "في التصور الطبيعي لا يحدث الصيام ضررا فهو لا يسبب الأمراض، وشرع الله منزه عن إيذاء الناس وعرقلة حياتهم، لكنه كما ثبت طبيا يقوي المناعة ويحسن الصحة".

وختم أستاذ مقاصد الشريعة الإسلامية بالقول: "إذا أفتى الطبيب بأن الصيام يؤخر شفاء مريض كورونا أو يعظم المرض فليفطر المريض ويقضي إن كان من أهل القضاء".

"لهذا أسرع الأزهر بالفتوى"

وعبر صفحته بـ"فيسبوك"، قال الأكاديمي المصري علاء حسني: "أعتقد أن مسارعة الأزهر بالفتوى لقطع الطريق على مؤامرة ما قد يكون وراءها رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي، أو أعوانه باستخدام إدارة الفتوى لإصدار فتوى بحواز إفطار رمضان".

حسني، قال إنه يبدو أنه وراء الستار ما جعل الأزهر يسرع بهذه الفتوى، متوقعا "زحمة من الفتاوى المبيحة للفطر في إطار المسمى زورا تجديد الخطاب الديني بقيادة السيسي وزمرته".