في ستينيات القرن الماضي، حاولت المخابرات المصرية اختطاف إسرائيلي غريب الأطوار بعدما غرر بها، حيث سعت لنقله من العاصمة الإيطالية روما إلى القاهرة، إلا أنه تم اكتشاف أمرها من قبل السلطات الإيطالية، التي أطلقت سراحه إلى أن وصل بعدها إلى تل أبيب، وفقا للرواية التي نشرها مؤخرا موقع صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية.

ووفقا لما تم نشره، فقد قامت المخابرات المصرية بمحاولة إرسال إسرائيلي يدعى مردخاي لوك الذي انتحل اسم "يوسف دهان" إلى بلادها داخل صندوق دبلوماسي مُغلق وصل إلى مطار روما في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1964 عبر سيارة دبلوماسية مصرية، وخرج منها دبلوماسيان قالا إنهما من مصر، وطلبا إرسال صندوق كبير مع طائرة خطوط الطيران العربية المتحدة، وفي سجلات الإرسالية كتب "وثائق دبلوماسية" وعلى الصندوق نفسه كتب "مواد دبلوماسية ممنوع الفتح".

وسمع موظف جمارك إيطالي يقظ في مطار روما عام 1964 صراخا خارجا من صندوق بطول 120 سم على 100 سم، فسارع للسؤال: ماذا يوجد داخل الصندوق؟ ولم يتردد المصريان بالجواب فقالا: "أدوات موسيقية" غير أن موظف الجمارك كان يسمع من يصرخ من داخل الصندوق "أنقذوني هؤلاء قتلة"، وعندئذ استدعى شرطيين من المطار وأمرهما بفتح الصندوق، وقبل ذلك أخذه المصريان وفرا هاربين بمركبتهما، وبعد تردد للحظات سيطر رجال الشرطة الإيطاليون على سيارة خاصة مرت في مدخل المطار واستقلوها ولاحقوا السيارة الفارة التي حاوت التهرب والاختفاء داخل أزقة بلدة أوستيا، لكنها دخلت في طريق مسدود، وتم إيقافها.

"حبوب تنويم"

وقالت صحيفة "يديعوت أحرونوت" إن الدبلوماسيين المصريين حاولا الاعتماد على جوازيهما الدبلوماسيين دون جدوى، وتم نقلهما لمحطة الشرطة المحلية، حيث تم فتح الصندوق، وتبين داخل محطة الشرطة أن رجلا بداخله بحالة إغماء قدماه مقيدتان وعنقه ربُط بحبل، وعلى صدره منديل صغير كان قد سد فمه يبدو أنه سقط، فتم اعتقال الرجلين المصريين، واستدعاء طبيب أكد أن الرجل في الصندوق قد حقن بحبوب تنويم.

وحينما استيقظ روى الرجل في الصندوق قصة غريبة، وزعم أنه يدعى "يوسف دهان"، ومن مواليد بلدة عوجا في المغرب، وأنه عمل مترجما في السفارة المصرية في روما. وخلال تواجده داخل مقهى التقى رجلين مصريين وما لبث أن رافقهما واستقل مركبتهما، وهناك اعتديا عليه بالضرب وحقنوه بثلاث حقن، ومن بعدها لم يعد يذكر شيئا، حتى استيقظ ووجد نفسه داخل صندوق، بحسب الرواية الإسرائيلية.

وتضيف تلك الرواية أنه خلال التحقيق معه تلاشى مفعول حقنات التنويم، وغيّر الإسرائيلي روايته، وقال إنه وصل إلى روما من نابولي حيث عاش باسم منتحل وكان يفترض أن يحصل على مبلغ مالي كبير في روما، لكنه أدهش المحققين بقوله إنه "عمل أيضا لصالح إسرائيل ومصر معا"، مدعيا أنه بفضل خدماته لإسرائيل مُنح مواطنتها.

وذكر موقع "واينت" أن الشرطة الإيطالية أرسلت خلال التحقيق مع الرجل برقية للسفارة المصرية في روما، فحضر على الفور مستشارها وطلب إطلاق سراح الدبلوماسيين المصريين، وتم إطلاق سراحهما بالفعل بسبب حصانتهما الدبلوماسية، إلا أنه تم طردهما من إيطاليا.

 

 نتنياهو يستحضر خروج اليهود من مصر ويدعو للصمود أمام كورونا

"زبون معروف"

وأكد موقع "واينت" أن الشرطة الإسرائيلية لم تحتج لجهد كبير كي تشخص "يوسف دهان". وقال إن مردخاي لوك كان "زبونا معروفا لها، إذ سبق تورطه بعمليات سرقة وتزوير واعتداءات وجنايات أخرى اعتقل بسببها عدة مرات".

وقد هرب قبل ثلاث سنوات من الحادثة في روما إلى غزة، وهناك أدعى أنه هرب بسبب التمييز العنصري ضده كيهودي من المغرب، وبسبب الفقر والضائقة الاقتصادية داخل إسرائيل، حيث أقام وزوجته في مستعمرة عاميشاف بالقرب من تل أبيب. كما يوضح "واينت" أن رئيس إسرائيل وقتذاك يتسحاق بن تسفي منحه العفو بسبب الضائقة الاقتصادية- الاجتماعية التي كابدتها عائلته فتم الإفراج عنه في 1960.

وتابع "واينت": "آثار لوك قد افتقدت في حزيران/ يونيو 1961، ولاحقا تبين أنه سلّم نفسه لمصر التي سيطرت آنذاك على قطاع غزة. وبنفس الأسبوع تحدث لإذاعة القاهرة وقال إنه هرب إلى جنة عدن المصرية من إسرائيل، حيث تسود العنصرية البغيضة".

"فتح صفحة جديدة"

وفي حديثه لإذاعة القاهرة، أعرب لوك عن أمله بأن يحوله المصريون إلى كندا كي يتمكن من فتح صفحة جديدة، لكنه نقل إلى إيطاليا، وهناك كادت تأشيرة الدخول على النفاذ، فاستغل المصريون حالته وحاولوا تجنيده للمخابرات المصرية.

وفي ذلك الوقت واصل المحققون الإيطاليون التحقيق مع لوك الذي قال إنه لم يخن وطنه ولم يتجسس ضد إسرائيل مدعيّا أن مصريا قال له إنه هرب من إسرائيل كي يرى العالم ودعاه للتعاون مع المخابرات المصرية مقابل تمكينه من التجول بين الدول، وعندما وافق على العرض، تم إرساله لورشة إعداد جواسيس شارك فيها هاربون ومتسللون إسرائيليون آخرون.

وانتهت الورشة في 15 حزيران/ يونيو 1963، وبعد أسبوع سافر إلى ألمانيا ومنها نقل إلى نابولي، وادعى أن الجانب المصري أمره بتعقب إسرائيليين في الميناء ومحطات القطار، وكتابة تقارير عن المزاج العام في إسرائيل، لكن المسؤولين عنه كانوا غير راضين عن عمله وهددوا بإعادته إلى القاهرة، حسبما قالت الرواية الإسرائيلية.

وروى لوك أنه في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1964 تم استدعاؤه للقاء مع دبلوماسيين مصريين في مقهى في روما، وما لبث أن تم خطفه لشقة لم يعرفها من قبل.

وكشف رجل مخابرات مصري سابق هرب من مصر إلى فرنسا أنه يعرف جيدا الدبلوماسيين المصريين اللذين طردا من إيطاليا، وأن الصندوق الذي أدخل فيه لوك تم تصميمه عام 1958 على يد رجل مخابرات ألماني بهدف استعادة ناشطيْن مصريين في ألمانيا معارضيْن للرئيس المصري الراحل عبد الناصر إلى مصر التي هربا منها بعد محاولة انقلاب فاشلة، وكذلك يدعي أنه تم خطف عالم ألماني بذات الطريقة، وفقا لما ذكره موقع "واينت".

وفي اليوم التالي بعد الحادثة في روما، قال لوك بعد طرده من قبل السلطات الإيطالية، إنه تحدث مع الموفد الخاص لصحيفة "يديعوت أحرونوت" في روما، أدفين إيتان، إنه لا يخشى العودة إلى البلاد؛ لأنه لم يعمل ضد إسرائيل التي حازت بفضله على مكسبين هامين، هما: اختراق شبكة المخابرات المصرية وتشويش العلاقات بين مصر وبين إيطاليا، حسب قوله.

وزعم لوك أيضا أنه قدّم مساعدات لإسرائيليين كانوا خلف القضبان في السجن المصري، مضيفا: "بدأت بتقديم رشاوى لرجال شرطة وسجانين مصريين بهدايا صغيرة، سجائر وحلوى وغيره، وبعد ذلك كنت قادرا على ابتزازهم بذلك وإلزامهم بتقديم مساعدات علاجية وغذاء لأسرى إسرائيليين ضعفاء أو مرضى ووقف تعذيبهم يوميا".

وعلّل عرض خدماته على المخابرات المصرية بالقول إن "الطريق الوحيد للهرب من جهنم وقتها كانت أن تقول للمصريين أنك مستعد للتجسس لصالحهم، وقد رجوتهم أن يرسلوني للخارج كي أتمكن من الهرب منهم إلى كندا".

وأضاف موقع "واينت" أنه مع وصول لوك إلى تل أبيب، "خضع لتحقيق الشرطة، وتم تمديد اعتقاله 15 يوما بسبب تسلله لقطاع غزة علاوة على الاشتباه به بالاتصال مع مخابرات مصر، وحُكم عليه بالسجن 13 عاما، قضى منها خلف القضبان سبع سنوات فقط بعد العفو عنه، ولاحقا مات بعمر 73 عاما في 2006".