بعد جملة من الهزائم التي منيت بها قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، في هجومها المتعثر على العاصمة طرابلس، يحاول حفتر ترتيب انسحاب مشروط من المعركة بما "يحفظ ماء وجهه"، ويضمن له حصة "سيادية" في المشهد السياسي القادم في ليبيا.


وجاء التصريح المثير الذي أدلى به المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة لصحيفة "ليبراسيون"، وقال فيه إن حفتر يشترط ضمانات لانسحاب محتمل من محيط طرابلس، ويطلب تعيينات في مناصب مهمة بالدولة، ليعكس حالة اليأس، والرغبة في إيجاد مخرج، بعد سلسلة نكسات وهزائم منيت بها قواته جنوبي العاصمة طرابلس.


وتؤكد الوقائع على الأرض أن قوات حفتر تترنح، خاصة بعد هزيمتها في مدينة غريان (100 كلم جنوبي طرابلس)، ووصول قوات الوفاق إلى مشارف مدينة ترهونة (90 كلم جنوب شرقي طرابلس).


وبعد أن أوشكت قوات حفتر على حسم معركة طرابلس خلال أيام، مرت الشهور دون أن تحقق أي تقدم أو انتصار يستحق الذكر، إلا إذا استثنينا القصف الجوي والصاروخي الذي أوقع أعدادا كبيرة من الضحايا المدنيين وحتى مهاجرين، ما وضع حفتر وقادة أركانه تحت تهديد المحاكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وأفقده الحرب الأخلاقية وأحرج حلفاءه الدوليين، وخاصة فرنسا.


خسر حفتر القوس الغربي من القتال بكامل محاوره (السواني، كوبري الزهراء، العزيزية، الكريمية الساعدية العامرية، الهيرة، بوشيبة الكسارات)، لكن خسارة غريان، كانت الأكثر جللا، نظرا لاحتوائها على غرفة عمليات قوات حفتر الرئيسية، وانكشاف التورط الفرنسي في دعم حفتر بعد اعتراف باريس بأن صواريخ جافلين المضادة للدروع التي استولت عليها قوات الوفاق في غريان، تعود ملكيتها لها.

 

 سلامة: حفتر يطلب ضمانات لانسحاب محتمل من محيط طرابلس

وتمكنت قوات الوفاق من التقدم 30 كلم وراء غريان، والاستيلاء على مهبط غوط الريح للمروحيات، الذي استخدم أيضا مهبطا لطائرات دون طيار، كانت تقصف العاصمة.


حاليا انتقلت قوات الوفاق إلى المرحلة الثالثة، فبعد صد الهجوم وتثبيت قوات حفتر، ثم استرجاع مناطق ضيعتها مع بداية الزحف، تحولت إلى الهجوم على المناطق التابعة لحفتر، ما وضع قواته في حالة دفاع.


ومع نهاية آب/ أغسطس الماضي، تقدمت قوات الوفاق من محاور القره بوللي والقويعة والنشيع والزطارنة (شرقي العاصمة) إلى غاية مشارف ترهونة، وأجبرت اللواء التاسع على الانسحاب، للمرة الأولى منذ هجوم طرابلس، إلى ما وراء الحدود الإدارية للمدينة.


وبشكل غير مسبوق، كثف طيران الوفاق غاراته على ترهونة ومحيطها، مستهدفا تمركزات اللواء التاسع، الذي طالما قصفت وحداته أحياء العاصمة المكتظة بالسكان، ونكّل بأسرى الوفاق حتى الموت.


ورغم أن الهدف الرئيسي لقوات الوفاق طرد كتائب حفتر من الضواحي الجنوبية للعاصمة، إلا أن ترهونة تمثل مربط الفرس، فالسيطرة عليها تعني انهيارا طبيعيا لقوات حفتر في الجبهات الأمامية، لأنها ستكون حينها محاصرة من كل الاتجاهات، ودون مؤن ولا ذخائر ولا إمدادات، وسيضطر اللواء التاسع إلى سحب رجاله من طرابلس لحماية مدينته من السقوط، أو مقايضتها بأحياء العاصمة التي يسيطر عليها إن كانت سقطت.

 

 "الوفاق" تقصف قواعد جوية لحفتر وتحقق تقدما كاسحا

وسينقذ الهجوم على ترهونة عاصمة الوفاق، وينقل ساحات المعارك من الضواحي الجنوبية لطرابلس إلى شوارع وأحياء ترهونة نفسها، ولن يكون لعناصر اللواء التاسع سوى الرجوع إلى الديار لحماية أهاليهم وأملاكهم من قوات “بركان الغضب”، ما سيُربك ويزعزع مواقعهم الصلبة جنوبي العاصمة.
فترهونة أصبحت شبه محاصرة، وقوات الوفاق تضغط عليها من الشمال من جهة القره بوللي، ومن الغرب حيث كثفت هجماتها على بلدتي السبيعة وسوق الخميس، لقطع خط الإمداد بين ترهونة وقصر بن غشير والمطار القديم.

وسقوط ترهونة سيكون مفتاحا لإعادة تثبيت سيطرة "الوفاق" على بني وليد "المتأرجحة"، ومنه الهجوم على قاعدة الجفرة الجوية الاستراتيجية، وإنهاء تواجد قوات حفتر في مدن وبلدات إقليم فزان (جنوب غرب البلاد).


وسواء كان الكلام الذي نقلته صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية، على لسان غسان سلامة، صحيحا أو غير دقيق، فإن حفتر لم يبق له سوى التفاوض لإنقاذ نفسه وقواته وبلاده من السيناريو الأسوأ.