اتفاق واشنطن وأنقرة على إقامة منطقة آمنة بشمال سوريا يبقي الكثير من الأسئلة دون إجابة. ففيما يتحدث مراقبون عن كونها فرصة "لتخلص" تركيا من لاجئيها السوريين، يخشى الأكراد تبادلا سكانيا يغير مستقبل المنطقة على المدى الطويل.

تم تجنب المواجهة، حتى الآن على الأقل: فمنذ شهور ما انقطعت تهديدات الحكومة التركية بإرسال قوات عبر الحدود في الجزء الشرقي من شمال سوريا. وبعد سابقتين في عامي 2016 و 2018 سيكون هذا هو الهجوم العسكري التركي الثالث في شمال سوريا على المنطقة التي يغلب على سكانها الأكراد. يأتي ذلك في وقت هددت فيه الولايات المتحدة بإجراءات انتقامية إذا ما أرادت الحكومة التركية القيام بخطوات أحادية الجانب.

في العاصمة أنقرة تمكن الممثلون الأتراك والأمريكيون من التوصل إلى توافق في الآراء الأسبوع الماضي، مفاده: إقامة "منطقة آمنة" تحت سيطرة الحكومة التركية على طول الحدود بين سوريا وتركيا. ومن أجل التنسيق لإقامة هذه المنطقة ينبغي إنشاء مركز للعمليات المشتركة بأسرع وقت ممكن بالقرب من مدينة سانليورفا التركية. ونقلت تقارير إعلامية عن وزير الدفاع التركي خلوصي أكار قوله بأن المركز  سيباشر مهامه بالفعل خلال الأيام القليلة المقبلة.

بيد أن هذا الإعلان جاء غامضاً للغاية، فقد بقيت الكثير من التفاصيل الأخرى طي الكتمان. فتركيا تسعى في المقام الأول إلى إقامة منطقة عازلة شرق نهر الفرات وإفراغها من عناصر مليشيات "وحدات حماية الشعب" الكردية المدعومة من الولايات المتحدة.

Syrien Qamischli SDF Truppen (Getty Images/AFP/D. Souleiman)

وحدات حماية الشعب الكردية.. حلفاء لواشنطن.. وإرهابيون في نظر أنقرة

وفي هذا السياق قالت وزارة الخارجية التركية في بيان لها: "سيُشرع الآن في تنظيف هذا الشريط على طول الحدود التركية". وتعتبر الحكومة التركية "وحدات حماية الشعب" الكردية التي باتت تسيطر على مناطق واسعة من شمال سوريا وتديرها، الفرع السوري لمنظمة إرهابية محظورة هي "حزب العمال الكردستاني"، ما يشكّل بالتالي تهديداً لأمن تركيا، حسب التفسير التركي.

ملف معقد

لكن بالنسبة لواشنطن، فإن هذه المليشيات الكردية هي حليف مهم في الحرب على تنظيم "داعش"، ولهذا فقد عملت الإدارة الأمريكية على تجهيز مقاتلي هذه الوحدات وتدريبها طوال السنوات الأخيرة. كما تعاونت القوات الأمريكية مع هذه المليشيات في قتال "داعش"، وتكلل الأمر بالنجاح، فقد هُزم "داعش" في شمال سوريا، الذي دمرته الحرب الأهلية إلى حد كبير. ثمة قلق يساور المسؤولين في واشنطن من نشوء فراغ في السلطة بفعل قتال تركيا لـ"وحدات حماية الشعب" الكردية، ما يمكن أن يكون بمثابة بوابة لعودة الإرهابيين الإسلاميين. ويبقى من غير الواضح بعد كيف سيسهم هذا الاتفاق بين واشنطن وأنقرة في التغلب على تضارب المصالح الأساسية في هذا الملف المعقد.

إضافة إلى ذلك، يبدو أن الجانبين لم يتفقا على مساحة المنطقة العازلة. فقد قال وزير الدفاع التركي أكار مطلع الأسبوع الجاري أن المنطقة يجب أن يتراوح عمقها بين 30 و40 كيلومتراً، وهو ضعف ما أعلنت عنه واشنطن.

مفاوضاتمن دونأكراد

وكذلك بالنسبة للأكراد في شمال سوريا تبقى هناك أسئلة كثيرة مفتوحة حول الاتفاق ومستقبل العمل به. وطرح الأكراد أن يكونوا جزءاً من المفاوضات بين واشنطن وأنقرة، إلا أن الأخيرة رفضت ذلك. وتعليقاً على ذلك يقول القيادي الكردي البارز في "حركة المجتمع الديمقراطي"، وهو أحد مهندسي الإدارة الذاتية في الشمال السوري ألدار خليل: "تفاصيل الاتفاق غامضة تماماً". ويضيف خليل بالقول: "أردنا أن نشارك في المحادثات لكن تركيا لم تكن مهتمة بمحادثات ثلاثية. الحل الأمثل يجب أن يكون بين السوريين أنفسهم". ويبدي القيادي الكردي تشككه في أن يكون هدف الحكومة التركية بالفعل هو الأمن والسلام. "تحاول تركيا توسيع حدودها واستغلال الحرب في سوريا لمصالحها الخاصة".

يخشى الأكراد في شمال سوريا وحكومة دمشق من أن هجوماً عسكرياً جديداً سيكون هدفه إعادة توطين سكان المنطقة. وما تزال ذكريات ما حدث في عفرين حاضرة في أذهان ساكنيّ الشمال السوري، وهو آخر هجوم عسكري تركي جرى في كانون الثاني/ يناير 2018 على المدينة الواقعة في الجزء الغربي من شمال سوريا. يتذكر محمد بكير، المحلل في مركز "روش آفا" للدراسات الاستراتيجية، الأثر المدمر لهذه العملية العسكرية بالقول: "بعد العملية العسكرية كانت هناك عمليات خطف وطلب فِدًى ونهب وسلب. طُرد الأكراد من مدينة عفرين واُستبدلوا بعائلات الجهاديين". ويوضح بكير أن هذا التبادل السكاني يمكن أن يدمر الاستقرار والأمن في المنطقة على المدى الطويل.

Syrien YPG Kämpfer (Reuters/R. Said)

مليشيات "وحدات حماية الشعب" الكردية في قتال "داعش"

"منطقةآمنة" للاجئين

تقول المعطيات الرسمية عن الاتفاق إن هذه "المنطقة الآمنة" التي اتفقت عليها واشنطن وأنقرة، ستتيح إمكانية إعادة توطين اللاجئين السوريين في شمال سوريا. إذ قال بيان صدر بالاشتراك بين واشنطن وأنقرة: "يجب إنشاء ممر آمن حتى يتمكن اللاجئون المشردون من العودة إلى وطنهم". العدد الأكبر من اللاجئين السوريين حول العالم يستقر في تركيا حالياً. بعد اندلاع الأزمة الاقتصادية في تركيا الصيف الماضي وما يرتبط بها من ضغوط على سوق العمل التركي، يزداد رفض الأتراك لوجود اللاجئين السوريين من يوم إلى آخر. وبات عدد متزايد من المواطنين الأتراك يتمنون ترحيل اللاجئين السوريين البالغ عددهم نحو 3.6 مليون شخص، وبأسرع وقت ممكن.

بيد أن للأمريكيين مصالحهم الخاصة الواضحة أيضاً، إذ لا ترغب واشنطن في أن تغرق سوريا في الفوضى مرة أخرى بعد انسحاب القوات الأمريكية ولا تريد أن يستعيد تنظيم "داعش" قوته في المنطقة مجدداً. إذا قاتلت القوات التركية وحدات حماية الشعب الكردية، فقد تكون العواقب وخيمة على أنقرة نفسها. في 14 كانون الثاني/ يناير نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تغريدة كتب فيها: "سنبدأ انسحابنا المتأخر من سوريا وسندمر تركيا اقتصادياً إذا قامت بمهاجمة الأكراد".

هدية ليفينت/ دانييل بيلوت/ ع.غ

  • Leerstehende Haus in Lifta (Reuters/R. Zvulun)

    شهود حرب صامتون .. آثار صراع الشرق الأوسط في صور

    بيوت مهجورة

    هذا البيت الفارغ في لفتا هو رمز لإحدى جذور نزاع الشرق الأوسط. والقرية الواقعة غربي القدس وجب التخلي عنها أثناء فترة تأسيس اسرائيل في 1948 من قبل ساكنيها ـ فلسطينيون عرب ـ. فاليهود وكذلك العرب يدعون امتلاك المنطقة لأسباب تاريخية أو دينية. ولا وجود لحل في أفق مستقبل منظور.

  • Zerstörter Flughafen von Gaza-Stadt (Reuters/I. Abu Mustafa)

    شهود حرب صامتون .. آثار صراع الشرق الأوسط في صور

    حطام مطار

    حطام مشروع بالملايين: مطار مدينة غزة. من بين الدول الممولة ألمانيا وتم افتتاحه في 1998 بحضور الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون وتعرض للتدمير من قبل اسرائيل في بداية عام 2000. والسبب يعود لما يُسمى الانتفاضة الثانية التي نُفذت خلالها اعتداءات إرهابية.

  • Jassir Arafats Hubschrauber als Ausstellungsstück in Gaza-Stadt (Reuters/I. Abu Mustafa)

    شهود حرب صامتون .. آثار صراع الشرق الأوسط في صور

    مروحية بدون مروحة

    في علاقة مع الانتفاضة الثانية دمرت اسرائيل طائرة الهليكوبتر التابعة للرئيس الفلسطيني والحائز على جائزة نوبل للسلام ياسر عرفات. وفي الأثناء يتم عرض حطام الطائرة بمدينة غزة مكشوفة للناظرين ومثبتة على سقالة.

  • Strand von Zikim (Reuters/R. Zvulun)

    شهود حرب صامتون .. آثار صراع الشرق الأوسط في صور

    شاطئ زكيم

    شاطئ زكيم يُعد من العناوين السرية السياحية في اسرائيل. فعلى جانب توجد كثبان رائعة، وعلى الجانب الآخر نظرة إلى البحر المتوسط. وبينهما برج مراقبة اسرائيلي مهجور، لأن هذه البقعة الساحرة كانت دوما مسرحا لنزاع الشرق الأوسط. والشاطئ يقع بحوالي ثلاثة كيلومترات شمالي الحدود مع قطاع غزة.

  • Mittlerer Osten Zeugen des Krieges (Reuters/R. Zvulun)

    شهود حرب صامتون .. آثار صراع الشرق الأوسط في صور

    بقايا خطيرة

    وفي الطريق إلى أماكن استجمام محبوبة في اسرائيل يمر المرء أحيانا بالقرب من هذا النوع من اللافتات. ففي مرتفعات الجولان تحذر من الألغام خلف السياج. وأثناء حرب الأيام الستة احتلت اسرائيل في 1967 المنطقة في الشمال الشرقي على الحدود مع سوريا وضمتها في النهاية. وغالبية الدول لا تعترف بهذا الإجراء. وتطالب سوريا باستعادة الجولان.

  • Mittlerer Osten Zeugen des Krieges (Reuters/R. Zvulun)

    شهود حرب صامتون .. آثار صراع الشرق الأوسط في صور

    دبابة في النهر

    دبابة سورية مقلوبة تصدأت في نهر الأردن ـ في المحمية الطبيعية بنياس في الهامش الغربي لمرتفعات الجولان المحتلة من طرف اسرائيل. ومنذ 1974 تراقب وحدات سلام تابعة للأمم المتحدة منطقة معزولة ضيقة في المنطقة المتنازع عليها. ووضع مرتفعات الجولان كان حاجزا أمام مفاوضات السلام بين اسرائيل وسوريا.

  • Verlassene Moschee in den Golanhöhen (Reuters/R. Zvulun)

    شهود حرب صامتون .. آثار صراع الشرق الأوسط في صور

    لم يعد يُرفع الأذان

    وإحدى نتائج حرب الستة أيام: فقط خمسة كيلومترات غربي المنطقة المعزولة في المنطقة التي ضمتها اسرائيل كانت توجد حتى عام 1967 قرية سورية. وما تبقى هو المسجد المهجور. ولم تعد تُقام هنا الصلاة. فقط عشاق رسوم الغرافيتي يمرون أحيانا من هنا.

  • Zugewachsener Bunker in den Golanhöhen (Reuters/R. Zvulun)

    شهود حرب صامتون .. آثار صراع الشرق الأوسط في صور

    استحواذ بطيء من قبل الطبيعة

    هذا الخندق الذي غطاه العشب في مرتفعات الجولان يشهد كذلك على عمليات القتال في المنطقة الجبلية قبل 52 عاما. وخلال الحرب الأهلية السورية تحولت المنطقة إلى نقطة ساخنة ـ بهجمات صاروخية من سوريا واسرائيل.

  • Jerusalem | Mittlerer Osten Zeugen des Krieges (Reuters/R. Zvulun)

    شهود حرب صامتون .. آثار صراع الشرق الأوسط في صور

    بريطانيون في فلسطين

    وتمتد جذور نزاع الشرق الأوسط إلى ما هو أبعد: وطبقا لاتفاقية مبرمة في 1916 كان الانتداب البريطاني قائما في فلسطين وكانت وحدات منتشرة هنا. هذه الرسوم على جدران خندق قديم في القدس تبين جنودا بريطانيين.

  • Ammunition Hill in Ostjerusalem (Reuters/R. Zvulun)

    شهود حرب صامتون .. آثار صراع الشرق الأوسط في صور

    موقع حرب يتحول إلى متحف

    ما يُسمى بـ "Ammunition Hill" في القدس الشرقية عايش عدة مواجهات. وفي الأصل تم استخدام الهضبة من قبل قوة الانتداب البريطانية لإيداع الذخيرة للشرطة. واستولت الأردن على المنطقة في 1948 وطردت اسرائيل الأردنيين في 1967. وبعض الخنادق القديمة ماتزال موجودة. واليوم يوجد متحف فوق الهضبة يخلد حرب حزيران.أوتا شتاينفير/دانيل هاينريش/م.أ.م