يثير التصعيد العسكري في مدينة إدلب وريفها، المستمر منذ أكثر من أسبوع، كثيرا من التساؤلات بشأن ما إذا كان مؤشرا على بداية لعملية عسكرية برية واسعة تدعمها روسيا، بعد تعثر الجولة الأخيرة من المحادثات التي جرت في العاصمة الكازاخية نور سلطان (أستانا سابقا) حول الشمال السوري.

وفي وقت تتواصل فيه التحذيرات الأممية والدولية الداعية إلى تجنب التصعيد في الشمال الغربي السوري، توعّد النظام السوري بالسيطرة على إدلب عبر مزيد من عمليات القصف.

جاء ذلك في تصريح لنائب وزير خارجية النظام، فيصل المقداد، قال فيه إن"القرار السوري موجود بتحرير كل ذرة تراب من الأراضي السورية وإدلب ليست استثناء، وعلى الأتراك وغيرهم أن يعوا أن سوريا مصممة على استعادة كل ذرة تراب من أرضها".

وتبدي مصادر خشية كبيرة من إقدام روسيا على دعم عملية عسكرية واسعة في إدلب، وذلك لخلط الأوراق على التفاهمات التركية- الأمريكية بشأن المنطقة الآمنة في مناطق شرق نهر الفرات، بالتزامن مع التقدم الكبير الذي أحرزته أنقرة في مباحثاتها مع واشنطن في هذا الملف.

خلط الأوراق

وفي قراءته لذلك، أشار المحلل السياسي، الدكتور مأمون سيد عيسي، إلى رغبة روسية بخلط الأوراق على ما يجري من تقارب تركي- أمريكي في ملف شرق نهر الفرات.

وقال لـ"عربي21" إن إعلان تركيا عن قرب التوصل إلى اتفاق نهائي على ملف المنطقة الآمنة، أغاظ روسيا كثيرا، وبدأت بتفريغ جام غضبها على مناطق إدلب.

وهاجم سيد عيسى، السياسة الروسية واصفا إياها بـ"البعيدة عن الأخلاق"، وقال إن "التأثير على قرارات تركيا، لا يجب أن يمر بضرب المدنيين، وتهجيرهم من بلداتهم وقراهم".

ووفق المحلل السياسي، فإن تركيا لا تزال تتحاشى التصعيد، وتبحث عن مخرج دبلوماسي للأزمة الحالية، وقال "أنقرة في وضع معقد للغاية".

التوقيت المناسب

وعلى النسق ذاته، اعتبر الكاتب الصحفي، إبراهيم إدلبي، أن روسيا وجدت التوقيت مناسب جدا في ظل وجود مفاوضات تركية أمريكية حول المنطقة الشرقية.

وفي حديثه لـ"عربي21" أكد أن روسيا تهدف إلى إفراغ المنطقة التي تعرف بالمنطقة منزوعة السلاح، مشيرا إلى رفع روسيا سقف مطالبها ومطالبتها بتسيير دوريات تركية روسية إيرانية مشترك  في المنطقة منزوعة السلاح، إضافة إلى مطالبتها بشكل صريح أن يكون لها تواجد في جسر الشغور.

وقال إدلبي، إن رفض الفصائل العسكرية لدخول الجنود الروس إلى المناطق المحررة أجج غضب روسيا، وجعلها تدعم النظام في عمليات القصف.

أما الكاتب الصحفي المتخصص بالشأن الروسي، طه عبد الواحد، فرجح في حديثه لـ"عربي21" أن يكون هدف روسيا الأول من هذا التصعيد، هو امتصاص رد فعل النظام السوري وكبار ضباط الجيش على تعاونها مع تركيا.

وقال يبدو أن الروس يأملون بهذا الشكل من التصعيد ثني النظام عن تصعيد أكثر خطورة في إدلب.

لكنه أضاف، بأن الروس يحاولون  ممارسة الضغط على تركيا في موضوع فصل المعارضة عن الجماعات "الإرهابية"، وتحديدا استئصال "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقا) من المنطقة.

وتابع عبد الواحد أن روسيا بررت مسبقا ضرباتها، حين قال أكثر من مسؤول روسي خلال الأشهر الأخيرة، إن الضربات على مواقع "الإرهابيين" في إدلب لن تتوقف، لكنهم استبعدوا عملية عسكرية واسعة.

هل من عملية واسعة؟

ورغم التصعيد، والأرتال العسكرية التي يستقدمها النظام السوري إلى جبهات إدلب تباعا، إلا أن مصادر تستبعد قيام النظام بعمل عسكري واسع، لأسباب عدة، في مقدمتها الملف الإنساني.

وفي هذا السياق، بدا الدكتور مأمون سيد عيسى، واثقا بأن إدلب لن تشهد عملية عسكرية واسعة، لأن ذلك يعني خسارة روسيا لتركيا بشكل نهائي.

وقال إن "ما يجري هو تسخين مدروس من قبل روسيا، بهدف إيصال رسائل لتركيا، مفادها أن على أنقرة الأخذ بالحسبان لمصالح موسكو في المفاوضات التي تجريها مع واشنطن".

 وكان منسق الأمم المتحدة الإقليمي للشؤون الإنسانية السورية بانوس مومسيس، قد قال لـ"رويترز"، إن مدارس ومنشآت صحية ومناطق سكنية أصيبت في أسوأ حملة قصف بالبراميل المتفجرة منذ 15 شهرا في شمال غرب سوريا، الذي تسيطر عليه المعارضة.


في غضون ذلك وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 324 مدنياً في سوريا خلال شهر نيسان/أبريل الماضي، بينهم 174 على يد قوات النظام وروسيا.