قبل أيام، أعلن المرشد الأعلى للجمهورية الاسلامية في ايران آية الله على خامنئي تعيين قائد جديد للحرس الثوري الإيراني، الذي يعد القوة العسكرية العقائدية في البلاد.

وخلف اللواء حسين سلامي البالغ 58 عاما اللواء محمد علي جعفري الذي قاد الحرس منذ سبتمبر 2007.

وجاءت هذه الخطوة بعد أقل من أسبوعين على تصنيف الولايات المتحدة للحرس الثوري "منظمة إرهابية أجنبية" وإضافته الى اللائحة السوداء.

ونظرًا لطبيعة ومكانة الحرس الثوري كمؤسسة مؤثرة في بنية الدولة الإيرانية، لا يمكن التقليل من أهمية وتأثير هذا التغيير، خاصة أن الحرس الثوري ينشط في المجالات السياسية والأمنية الإيرانية مستظلًّا بنصٍّ دستوري أعطى له وظيفة الدفاع عن الثورة الإسلامية ومنجزاتها، وهو ما نجده في المادة 150 والتي تنص: تبقى قوات حرس الثورة الإسلامية، التي تأسست في الأيام الأولى لانتصار هذه الثورة، راسخة ثابتة من أجل أداء دورها في حراسة الثورة ومكاسبها.

حسين سلامي.. عن قرب

وُلد حسين سلامي في مدينة كلبايكان الإيرانية عام 1960، التحق بجامعة "العلم والصناعة" الإيرانية لدراسة هندسة الميكانيك بالتزامن مع الثورة الإيرانية، وبعد تخرّجه بعامين التحق بالحرس الثوري عام 1980، لينضم إلى صفوف جيش بلاده في حربها ضد العراق، حيث شارك في المواجهات التي جرت في کردستان وبالأخص في الجبهة الجنوبية.

سلامي كان نائبا لقائد الحرس لتسع سنوات شارك في الحرب العراقية الايرانية 1980-88 وقاد القوات الجوية للحرس قبل ان يتولى نيابة قيادته.

ونقلت وكالة فارس للانباء ان سلامي نصح رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتانياهو في أكتوبر ب"التدرب على السباحة في المتوسط لأنه قريبا لن يكون أمامك خيار سوى الهرب بحرا".

كما نقلت عن سلامي قوله إن باستطاعة حزب الله اللبناني تدمير اسرائيل، إذ إنهم "ليسوا بمستوى أن يشكلوا تهديدا لنا. حزب الله كاف لتدميرهم".

ويبلغ عديد الحرس الثوري 125 الف جندي، وقد تم تشكيله بعيد الثورة الاسلامية وفق المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.ويرتبط الحرس الثوري مباشرة بالمرشد الأعلى ويمتلك قوات مشاة وبحرية وجوية خاصة.

تعمل قوات الحرس بموازاة الجيش النظامي الايراني ومهمتها "حماية الثورة الاسلامية وانجازاتها"، اضافة الى "حماية الحكم الاسلامي ونشر أهدافه في الخارج".

اقرأ أيضا: عاجل| إعفاء قائد الحرس الثوري الإيراني من منصبه

نظرة في تعيين سلامي

قال بيان تعيين سلامي الصادر عن خامنئي إنه بالنظر الى "ضرورة التغيير في قيادة حرس الثورة الإسلامية ونظرا الى كفاءتكم وتجاربكم القيمة في الادارة العامة وتصديكم للمسؤوليات المختلفة في الاجهزة الثورية والجهادية والشعبية لحرس الثورة الاسلامية، قررت منحك رتبة لواء وتعيينك قائدا عاما لحرس الثورة الاسلامية".

ووفقا لورقة بحثية صادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، لا يوجد في النظام الأساسي للحرس الثوري أو القوانين الناظمة لعمله ما يشير إلى مدة محددة لقيادة الحرس الثوري، فبعض قياداته أمضى 16 عامًا وبعضها لم يزد عن شهر، لكن جرى الحديث عن تقليد في سياسة آية الله خامنئي في تعيين المسؤولين السياسيين والعسكريين بأن تكون المدة 10 سنوات، وكان من المفترض انتهاء مدة جعفري في 2017، إلا أنه تحدث بأن مرشد الثورة قد مدَّد ولايته لثلاث سنوات، وحدث التغيير قبل انتهاء مدة التمديد وهو ما يشير إلى وجود واقع فرض الإسراع بذلك. 

ونجد في مرسوم آية الله خامنئي لتعيين سلامي، إشارة واضحة بأن ذلك جاء ردًّا على طلب من محمد علي جعفري بـ"ضرورة تغيير قيادة الحرس"، ويكشف ذلك عن قراءة مؤسسية من داخل الحرس الثوري نفسه رأت أن طبيعة المرحلة تقتضي إجراء تغييرات في قيادة الحرس، وهنا يظهر العامل الخارجي واضحًا في خلفيات القرار.

لا يمكن القول بوجود تباينات جوهرية في توجهات سلامي مقارنة بمحمد علي جعفري، لكن سلامي يميل إلى استخدام خطاب تهديدي واضح وصريح، بل إن أبرز التهديدات الصادرة عن الحرس كمؤسسة صدرت على لسانه، ومنها: التهديد بإغلاق مضيق هرمز، في 4 مايو 2016.

كما استخدم لغة تهديدية عالية في الحديث عن إسرائيل: "الحماقات التي ترتكبها إسرائيل اذا استمرت تجعلها أقرب إلى زوالها وحتى إنها لن تجد مكانًا لدفن قتلاها". 

وفي فبراير 2019، وجَّه -ومن خلال التليفزيون الرسمي- تحذيرًا للدول الأوروبية بشأن البرنامج الصاروخي: "إذا قررت أوروبا أو غيرها وفقًا للمؤامرة، الإصرار على نزع السلاح الصاروخي للجمهورية الإسلامية الإيرانية سوف نضطر لإحداث قفزة في استراتيجيتنا". وعقب الهجمات التي شهدتها إيران في الأهواز، وجَّه سلامي تهديدًا مباشرًا للسعودية والإمارات بأنها تتجاوز الخطوط الحمراء وأن عليها أن تتحمل تبعات الانتقام. 

يبدو البرنامج الصاروخي الإيراني عنوانًا بارزًا في مسيرة سلامي الذي دخل اسمه في قوائم الإرهاب الأميركية؛ فالقائد الجديد للحرس معروف بدفاعه عن البرنامج الصاروخي وضرورة تعزيز قدراته، وقد وجَّه تحذيرًا يقارب التهديد إلى الأطراف الأوروبية بهذا الشأن. 

على الصعيد الداخلي، كان لسلامي مواقف حادة تجاه الحركة الخضراء ووصفها بـ"الفتنة".

رسائل ودلالات 

إن صعود سلامي يشير بصورة واضحة إلى تغيير في تركيبة المسؤولين حيث لا يمكن اعتباره من الجيل الأول أو الثاني في حرس الثورة، وعلى الرغم من مشاركته في الحرب العراقية-الإيرانية إلا أن سلامي لم يكن من جيل الثورة المؤثِّر في العقد الأول والثاني من عمر الجمهورية الإسلامية، وحتى قبل تعيين محمد علي جعفري لم يتردد اسمه كواحد من الأسماء البارزة في الحرس. ولا نجد اسمه في قائمة قادة الحرس الموقعين على الرسالة الموجهة إلى خاتمي. ولذلك، فإن مكانة سلامي اليوم تأتي من موقعه المؤسسي كقائد للحرس وليس من كاريزما شخصية.

لا يمكن النظر إلى هذا التعيين بمعزل عن التعيينات في مناصب رفيعة شهدتها الجمهورية الإسلامية مؤخرًا، ومن أبرزها: تعيين آية الله إبراهيم رئيسي رئيسًا للسلطة القضائية وتعيين آية الله صادق لاريجاني رئيسًا لمجمع تشخيص مصلحة النظام وكلا الرجلين يتردد اسمه كخليفة محتمل لخامنئي؛ مما يشير إلى سعي مرشد الثورة الإسلامية لمرحلة انتقالية قادمة، تكون فيها مؤسسات الدولة متماسكة.

هناك دلالاتان بارزتان في تعيين سلامي رئيسًا للحرس الثوري ربما تكشف النقاب عن دوافع هذه الخطوة، الأولى تتعلق بتوقيتها، كونها تأتي بعد أسبوعين فقط من تصنيف الحرس كمنظمة إرهابية من الولايات المتحدة، فيما تتمثل الثانية في طبيعة العقلية المنهجية والعقدية للقائد الجديد وتصريحاته النارية المعروفة ضد واشنطن وحلفائها مقارنة بأي قائد آخر.