لم تنقطع الاحتجاجات ضد ترشح الرئيس المريض عبد العزيز بوتفليقة لشغل منصب الرئاسة لولاية خامسة بالجزائر. وخيوط السلطة تتحكم فيها أياد أخرى، تتشابك فيها مصالح لدوائر سلطة معقدة تضم أوليغاريشيين وعسكريين ورجال صناعة وآخرين.

أين هو الرئيس؟ هل استقر في الخارج؟ هكذا تساءل الكثيرون بسبب الفوضى والاحتجاجات الشعبية في أرجاء البلاد. وهتف أناس في مختلف أنحاء البلاد في الشوارع بأن "الشعب يريد إسقاط النظام"، مطالبين بالاستقالة الفورية للرئيس. ثم حلت لحظة مخيفة: لقد ظهر وجه الرئيس غير المحبوب مرة أخرى على شاشة التلفزيون، وهدد أن من ينشر الفوضى ويضر باستقرار البلاد سيلقى العقاب بدون رحمة. لكنه وعد شعبه بتوفير المزيد من الوظائف وإصلاحات سياسية.

ربيع متأخر؟

فهل تعيش جارة تونس: الجزائر "ربيعا عربيا" متأخرا؟ يمكن هنا التعرف على بعض جوانب الشبه. فكما كان عليه الحال في تونس ومصر وسوريا وليبيا يتوجه غضب الناس أيضا في الجزائر ضد رئيس الدولة: فعبد العزيز بوتفليقة البالغ من العمر 82 عاما يحكم البلاد التي تضم 40 مليون نسمة بلا انقطاع منذ 1999 ويترشح للانتخابات الرئاسية المقررة في الـ 18 من أبريل/ نيسان للمرة الخامسة. وبخلاف بن علي أو حسني مبارك ليس بوتفليقة مكروها، فالمواطنون كبار السن خصوصا يشيدون حتى اليوم بمساهماته في حرب الاستقلال الجزائرية ضد القوة الاستعمارية الفرنسية، وبعدها في إنهاء الحرب الأهلية الجزائرية في التسعينيات التي حصدت، حسب التقديرات حياة أكثر من 200 ألف شخص. وتمكن بوتفليقة حينها من نزع فتيل التوتر بإصدار عفو عن إسلاميين.

غضب أغلب المتظاهرين من الشباب موجه أكثر منذ أسابيع في الجزائر العاصمة ومدن أخرى ضد الأوضاع الغامضة، التي تركد فيها الجزائر منذ عقود. وفي الوقت الذي لا يجد فيه الكثير من الشباب فرص عمل، فإن الفساد يتفشى في كامل البلاد. وثراء الموارد الطبيعية لا يعود بالنفع إلا على القلة من الناس، وسياسيا يسود جمود. وفي بلاد يمثل فيها الشباب ما تحت ثلاثين عاما نصف مجموع السكان، يبقى انعدام آفاق المستقبل للشباب موطن نزاع خطير.

Algerien Algier Demonstrationen gegen neue Amtszeit von Bouteflika (Getty Images/AFP/R. Kramdi)

مظاهرة احتجاج ضد ترشح بوتفليقة لولاية خامسة

رئيس دولة غائب

ويجسد بوتفليقة هذه الظروف رمزيا. وليس واضحاً ما إذا كان يصدر عنه اليوم أي تأثير. فقائد الدولة الطاعن في السن يجلس على كرسي متحرك منذ تعرضه لجلطة دماغية في 2013. ولم يتكلم مباشرة منذ سنوات طويلة إلى شعبه. والبيانات الرئاسية لا يعرفها الجزائريون الشباب إلا في شكل بيانات مقروءة مثل ما حصل الأحد الماضي (3 مارس/ آذار 2019) حين تم الإعلان عن تقدم الرئيس المريض لخوض الانتخابات، واعداً بإدخال إصلاحات وتنظيم انتخابات مبكرة لفتح المجال أمام انسحابه السياسي. ولا يُعرف ما إذا قال هذا بنفسه. فالملايين من الجزائريين يعايشون رجلهم الأول في الدولة كرئيس شبح. 

هل بوتفليقة قادر، بالنظر لوضعه الصحي المتردي، على العمل باستقلالية واتخاذ القرار؟ هذا يبقى غامضا منذ سنوات. فالوضع الصحي للرئيس يتم التعامل معه في الجزائر كأحد أسرار الدولة. والسفير الجزائري في فرنسا كان هذه الأيام مجبرا على نفي صحة وفاة بوتفليقة.

دوائر سلطة معقدة

ويتفق مراقبون على أن بوتفليقة كشخص اليوم ليس إلا شخصية توافقية بين القوى التي تشكل في الخلف دوائر السلطة المعقدة وتقرر مصير البلاد منذ مدة، من أوليغارشيين وعسكر إضافة إلى سياسيين كبار من أحزاب مختلفة. ويعتبر أيضا سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس، بمثابة دائرة داخلية للقوى مثل رئيس أركان الجيش الجزائري أحمد قايد صالح، ورجل الصناعة الكبير علي حداد. كما تؤخذ مصالح مختلف العشائر والمناطق في الاعتبار في هذا النظام المعقد.

ومنذ سنوات طويلة لم يتفق الأقوياء وراء الكواليس على تعيين خلف لبوتفليقة، والآن يتهددهم خسران الامتيازات السياسية والاقتصادية. ويجب عليهم الآن التموقع من جديد. فرئيس أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح باشر البداية الثلاثاء عندما قال بأن بعض القوى تريد العودة بالجزائر إلى "فترة الألم الكبير"، في إشارة إلى الحرب الأهلية في التسعينيات. وأكد أن الجيش لن يسمح بحصول انهيار للأمن العام. وهذا يمكن فهمه كتهديد.

ومن الانتفاضة الناجحة ضد النظام عبر حلول وسط جديدة خلف الكواليس إلى حدوث انقلاب عسكري ـ الكثير من الفرضيات ممكنة حاليا، لكن القليل منها يعد بالاستقرار. والمؤكد هو أن الجزائر تتجه نحو أوقات مضطربة. وخلافا لبن علي لن يكون بوتفليقة حسب الوضع الراهن مجبرا على الهرب إلى الخارج في حال فرض المتظاهرون أنفسهم بوضع حد لمشواره السياسي. فهو موجود منذ أسابيع خارج البلاد في الوقت الذي يحتج شعبه ضد ترشحه الجديد لخوض الانتخابات، فالرجل المريض من الجزائر موجود في جنيف على ما يبدو لإجراء "فحوصات طبية روتينية".

راينر زوليش/ م.أ.م

  • Abderrhamane Fares ehemaliger Präsident von Algerien (Getty Images/INA/G. Breemat)

    من فارس إلى بوتفليقة.. تعرّف على أبرز رؤساء الجزائر

    عبد الرحمن فارس

    قليلاً ما يذكر اسمه لكونه جاء في فترة انتقالية قبل وبعد الاستقلال، فضلاً عن أن منصبه لم يسمّ رسمياً رئيس الدولة، إذ ترأّس الهيئة التنفيذية المؤقتة التي شُكلّت بتفاوض جزائري-فرنسي في مارس/ آذار 1962، لأجل المساهمة في الإشراف على انتخابات تقرير المصير. بقي في هذا المنصب بعد أسابيع من الاستقلال، إلى أن تم انتخاب فرحات عباس، رئيساً لأول مجلس تشريعي، الذي اعتبر الرئيس الثاني للجزائر المستقلة.

  • Ahmed Ben Bella (AP)

    من فارس إلى بوتفليقة.. تعرّف على أبرز رؤساء الجزائر

    أحمد بن بلة

    يعدّ أول رئيس منتخب في الجزائر، وأوّل من حاز التسمية رسميا في أكتوبر/ تشرين الأول 1963، لكنه لم يكمل السنتين من حكمه. نال شعبية كبيرة لدوره في حرب الاستقلال إذ كان ممثلا لجبهة التحرير الجزائرية في الخارج. شهدت فترته صراعات سياسية كبيرة، ووُجهت له انتقادات بالاستئثار بالسلطة، كما توترت علاقته مع هواري بومدين، ما انتهى إلى انقلاب الجيش عليه.

  • Houari Boumediene ehemaliger Präsident von Algerien (Getty Images/AFP)

    من فارس إلى بوتفليقة.. تعرّف على أبرز رؤساء الجزائر

    هواري بومدين

    شغل المنصب في يونيو/ حزيران 1965 بانقلاب عسكري مبرّره "التصحيح الثوري" وبقي فيه إلى وفاته في سن مبكرة (46 عاما) نهاية عام 1978. اسمه الحقيقي محمد بوخروبة، يعدّ أحد أكثر رؤساء الجزائر شعبية في العالم العربي خاصة تبنيه فكرة تشجيع الحركات التحررية وتضامنه مع الفلسطينيين. أطلق عدة برامج اقتصادية وسياسية لبناء الدولة، رغم الانتقادات الموّجهة له بتبنّي نظام سلطوي والاعتماد على مؤسسة الجيش.

  • Algerien ehemaliger Präsident Chadli Bendjedid gestorben (Getty Images)

    من فارس إلى بوتفليقة.. تعرّف على أبرز رؤساء الجزائر

    الشاذلي بن جديد

    انتخب منسق شؤون وزارة الدفاع، الشاذلي بن جديد، خلفا لبومدين، واستمر من عام 1979 إلى 1992 بعد إعادة انتخابه مرتين متتاليتين. عانت الجزائر في نهاية عهده من أزمات اقتصادية بسبب تدهور أسعار النفط، ومن صراعات سياسية حاول تجنبها بإقرار دستور جديد والتعددية السياسية. لكنه استقال منصبه بعد انتخابات 1991 التي فاز فيها الإسلاميون وتدخل الجيش لإلغاء نتائجها، ما كان مقدمة لما يسمى بـ "العشرية السوداء".

  • Muhammad Boudiaf Präsident Algerien im Jahr 1992 (Abdelhak Senna/AFP/Getty Images)

    من فارس إلى بوتفليقة.. تعرّف على أبرز رؤساء الجزائر

    محمد بوضياف

    أحد رجالات الثورة، لكنه أجبر على المنفى بعد خلافاته مع بن بلة ومن بعده بومدين. كان يعيش في المغرب عندما لبّى دعوة الاضطلاع برئاسة المجلس الأعلى للدولة بداية 1992. لكنه اغتيل بعد حكمٍ لم يدم سوى خمسة أشهر ونصف. وُجه الاتهام لضابط قيل إنه متعاطف مع الإسلاميين، لكن مراقبين قال إن الاغتيال كان مدبرا من جهات أعلى، خاصة مع إعلان بوضياف الحرب على الفساد غداة تعيينه.

  • Ali Kafi ehemaliger Präsident von Algerien (Getty Images/Gamma-Rapho)

    من فارس إلى بوتفليقة.. تعرّف على أبرز رؤساء الجزائر

    علي كافي

    اختير خلفاً لبوضياف نظرا لمساره العسكري والسياسي في جزائر ما قبل وبعد الاستقلال وقيادته الأمانة العامة لمنظمة المجاهدين (مقاومي الاستعمار). لم تكن بصمته حاضرة كثيراً، كما لم يستطع وقف حمام الدم في البلاد إلى حين تسليمه السلطة لخلفه اليمين زروال في يونيو 1994، لكن مذكراته التي صدرت بعد سنوات من التزامه الصمت أثارت جدلا في البلد لتطرقها إلى فترة الثورة.

  • Algerien ehemaliger Präsident Liamine Zeroual (Getty Images/Corbis/Sygma/P. Robert)

    من فارس إلى بوتفليقة.. تعرّف على أبرز رؤساء الجزائر

    اليمين زروال

    وزير الدفاع الذي عُيّن خلفاً لعلي كافي. أضفى "شرعية سياسية" على منصبه، بعد انتخابه رئيسا للبلاد في نوفمبر/ تشرين الثاني 1995. فتح في البداية قنوات حوار مع جبهة الإنقاذ الإسلامية، لكن العملية فشلت. صدر في عهد زروال دستور جديد للبلاد، قبل أن يعلن عدم نيته الترشح لانتخابات 1999، بعد إخفاقه في وقف مجازر "العشرية السوداء".

  • Algerischer Präsident Abdelaziz Bouteflika (Getty Images/AFP/R. Kramdi)

    من فارس إلى بوتفليقة.. تعرّف على أبرز رؤساء الجزائر

    عبد العزيز بوتفليقة

    انتُخب في أبريل/ نيسان 1999. هو وزير الخارجية بين عامي 1963 و1979. قدم أول ترشح له للرئاسة بصفته مرشحا مستقلا. شهدت سنواته الأولى شعبية كبيرة لمساهمته في إصدار قانون المصالحة الوطنية وبالتالي إنهاء الحرب الأهلية، لكن شعبيته تراجعت بعد تعديل الدستور لتمكنيه من ولاية رئاسية ثالثة. رغم إصابته بجلطة دماغية عام 2013، إلا أنه انتخب لولاية رابعة، فضلاً عن ترشحه لولاية خامسة.