ما هي الأسباب التي تدفع بالمغرب وتونس إلى التزام التحفظ في التعليق على الوضع الجزائري، وما هو التأثير المحتمل لتغيير النظام الجزائري على الجارين؟

لا يهمّ الحراك في الجزائر - هذه الدولة مترامية الأطراف - الدولة وحدها، بل كذلك المنطقة ككل، وتحديداً جيرانها المغرب وتونس، إذ تتشارك البلدان الثلاثة في الكثير من الروابط ذات البعد التاريخي (وقوعها تحت الاستعمار الفرنسي) والثقافي والإنساني، ومن شأن أيّ تأثير في بنية النظام الجزائري، الذي يواجه حالياً أحد أكبر التحديات في تاريخه، أن يمتد إلى البلدين الجارين، ولو بنسب متفاوتة تراعي اختلافات أساسية مكنت كلّ دولة من الحفاظ على خصوصيتها.

وفي الوقت الذي يلتزم فيه العالم الصمت تُجاه مسيرات الجزائر، يبقى المغرب وتونس غير مطالبين بإبداء أيّ موقف رسمي، لاسيما وأن احتجاجات الجزائر لا تزال في بدايتها ولا شيء مؤكد حول مستقبلها، إلّا أن حتى مع تطوّر الوضع، يجد جارا الجزائر الكثير من المعيقات أمام تبني موقف واضح رغم آمال النخب المغربية والتونسية في حراك جزائري يمنح قبلة الحياة للإصلاح السياسي في المنطقة.

كيف يُبّرَر الصمت؟

قال الرئيس التونسي، الباجي قايد السبسي، في تصريح مقتضب من جنيف، إنه "ليس في موضعٍ لتقديم الدروس للجزائر، والشعب الجزائري شعب حر ومن حقه التعبير كما يريد". التحفظ الرسمي التونسي انتقل إلى الواقع، إذ منعت الداخلية وقفة للجالية الجزائرية في البلاد بحجة غياب الترخيص، علماً أن السلطات التونسية تسامحت على الدوام مع الوقفات، حتى غير المرخصة منها.

موقف السبسي ليس جديداً، فقبله كان كل من الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي حذريْن جداً في علاقتهما مع الجزائر، بحسب ما كتبه الباحث التونسي صلاح الدين الجورشي على موقع "العربي الجديد" الإخباري. وتابع الجورشي أن حكام قرطاج يدركون رفض الجزائريين لكل أشكال التدخل في شأنهم الخاص، ولذلك يحرص الطرف التونسي على دعم العلاقات الثنائية والمساهمة في حماية أمن الجزائر.

لكن التحفظ لم يبق حبيس قصر قرطاج، بل تعداه إلى الأحزاب السياسية، إذ يوضح الجورشي لـDW عربية أن هذه الأحزاب، وحتى المعارضة، "تقتنع أن الجزائر لم تتدخل يوماً في الحياة السياسية التونسية، بل انحازت لتونس في معركتها ضد الإرهاب، فضلاً عن إدراك التونسيين أن الوضع السياسي لا يزال معقداً في الجزائر".

وفي المغرب، لا تحضر مسيرات الجزائر إلّا في مواقع التواصل الاجتماعي، وفي الإعلام، حيث يندرج جزء كبير من التغطية في إطار حرب إعلامية بين البلدين المتخاصمين سياسياً. ويوضح أستاذ العلوم السياسية، عبد الرحيم العلام، لـDW عربية أن النظام السياسي المغربي لا يملك خياراً غير التحفظ، لأنه "إذا عبّر عن موقف مؤيد للاحتجاجات، فقد يتورط في توتر جديد مع النظام الجزائري، خاصة لو بقي هذا الأخير. أما إذا سانده، فسيقع في توتر مع المعارضة الجزائرية". وينسحب هذا الموقف على الأحزاب المشاركة في العملية السياسية، إذ تتبنى موقف الدولة المغربية، حسب العلام.

Algerien Marokko - Bouteflika und König Mohammed (Getty Images/AFP/E. Feferberg, F. Senna)

الملك محمد السادس والرئيس عبد العزيز بوتفليقة

لكن كيف يفسَّر صمت أحزاب وهيئات معارضة؟ يرد العلام أن هناك حالة من التوجس ممّا يجري في الجزائر تعود لعدة أسباب: "هناك تساؤل حول مدى قوة الحراك الجزائري، خاصة مع تركيز المطالب على رفض العهدة الخامسة، فيما تبقى مطالب الإصلاح الديمقراطي الشامل أقلّ مما رأيناه في تونس ومصر. وهناك كذلك غموض الوضع في البلد الجار، وهو ما ساهم فيه الإعلام الذي يمارس التعتيم أو البروباغندا".

أيّ تأثير محتمل؟

عانت التجربة الديمقراطية الفتية في تونس من موجة تراجع كبيرة في الحقوق والحريات بالمنطقة بعد رياح "الربيع العربي"، إذ أضحت هذه التجربة تناضل لأجل الاستمرار وسط جنوح قوى إقليمية نحو محاولة إعادة الأنظمة السابقة. لذلك، ورغم وجود نوع من العرفان التونسي للجزائر، فإن النخبة السياسية التونسية "تتمنى حصول انتقال ديمقراطي في الجزائر بما يدعم التجربة التونسية، ويفتح أمام البلدين المزيد من أوجه التعاون"، كما يقول الجورشي.

الأمر ذاته يتكّرر في المغرب، ففي الوقت الذي شهد فيه هذا البلد نسخته الخاصة من "الربيع العربي"، التي أفضت إلى دستور جديد وصعود الإسلاميين، تقول الطبقة الحقوقية إن تراجعات كبيرة وقعت في السنوات الخمس الأخيرة، منها اعتقال نشطاء احتجاجات الريف وجرادة، في مقابل احتباس سياسي تشكل أحد مظاهره حكومة تعاني من تصدعات داخلية. لذلك يقول العلام إن أيّ نتائج إيجابية للحراك من شأنها أن "تُصيب المغرب بنوع من العدوى، فما يجمع الشعبين كبير جداً".

Marokko neuer Premierminister Saad-Eddine El Othmani (Reuters)

حكومة مغربية مكوّنة من ستة أحزاب شُكلت بعد مخاض عسير

وليس فقط على المستوى الشعبي، بل كذلك على مستوى الدولة المغربية، التي يجمعها تنافس شديد مع الجزائر في الكثير من المجالات، فمن المؤكد أن أيّ تحول ديمقراطي في الجزائر يخدم نظيره في المغرب، وفق قول العلام، الذي يوضح أن "النظام المغربي، في هذه الحالة، سيحرص على مصلحته، وسيقدم تنازلات أو إصلاحات كما فعل خلال موجة الربيع العربي، عندما استجاب لجزء من مطالب الحراك".

تحديات تواجه الأماني!

إلّا أن أماني التونسيين بجار ديمقراطي لا تمنع تخوفهم من طول المرحلة الانتقالية في بلدٍ شاسع المساحة عانى من فظائع "العشرية السوداء" الناتجة عن صراع على السلطة، بل إن جزءاً من السياسيين التونسيين "غير متأكدين من أن تؤدي الاحتجاجات في الجزائر إلى انتقال سلمي للسلطة، إذ يتخوفون من وقوع صراعٍ يؤثر سلباً على تونس، خاصة مع الحضور القوي للجيش في السلطة، واستمرار الخلافات بين السياسيين الجزائريين"، بحسب ما يرى صلاح الدين الجورشي.

Algerien Algier Demonstrationen gegen neue Amtszeit von Bouteflika (Getty Images/AFP/R. Kramdi)

من احتجاجات الجزائر

ويتعاظم التخوّف التونسي من حقيقة أن الجزء الغربي للبلاد، المحاذي للجزائر، وتحديداً منطقة جبال الشعانبي، يبقى مرتعاً لجماعات إرهابية، بين أعضائها جزائريون. لذلك يخلص الجورشي إلى أن "التونسيين يخشون من أن انشغال الجزائريين بالتطوّرات الأخيرة قد يفتح المجال أمام الجماعات الإرهابية للتأثير على أمن البلدين". ويزداد التحدّي عند ربط المجال الأمني بالسياحي، إذ يمثل الجزائريون السوق الأولى لقطاع السياحة التونسي، وبالتالي فإن أيّ توتر أمني في بلادهم سيمثل عاملاً سلبياً في توجههم لجارهم الشرقي.

يحضر الجانب الأمني بقوة لدى الجار الغربي، إذ تدرك الرباط أن الجزائر تمثل عاملاً رئيسياً في استقرار شمال إفريقيا، لاسيما وأنها تشترك بحدود كبيرة مع دول تعاني توترات داخلية، مثل ليبيا ومالي والنيجر، فضلاً عن الخط الحدودي الشاسع بين المغرب والجزائر. لذلك، يخلص عبد الرحيم العلام إلى أن الرباط مقتنعة "بأن أيّ تأثر سلبي في استقرار الجزائر قد يؤدي إلى نتائج خطيرة منها تدفق اللاجئين".

ويقدم العلام تحدياً آخر لا يجعل الدولة المغربية تتحمّس كثيراً للتحوّلات المرتقبة في الجزائر، هو ما يخصّ موقف هذه الأخيرة من نزاع الصحراء، فالمغرب "لا يلمس أن النظام الجزائري، حتى ولو صعدت المعارضة، سيغيّر موقفه الداعم لجبهة البوليساريو، عكس المعارضة الفنزويلية (التي تقيم الرباط معها علاقات جيدة) التي قد تسحب الاعتراف بهذه الجبهة"، يوضح العلام، مبرزاً أن المغرب لا يرغب بتكرار تجربته مع النيجر، عندما دعم المعارضة، دون أن تغيّر هذه الأخيرة، لما استلمت الحكم، موقف دولتها من النزاع المذكور.

إسماعيل عزام

  • Abderrhamane Fares ehemaliger Präsident von Algerien (Getty Images/INA/G. Breemat)

    من فارس إلى بوتفليقة.. تعرّف على أبرز رؤساء الجزائر

    عبد الرحمن فارس

    قليلاً ما يذكر اسمه لكونه جاء في فترة انتقالية قبل وبعد الاستقلال، فضلاً عن أن منصبه لم يسمّ رسمياً رئيس الدولة، إذ ترأّس الهيئة التنفيذية المؤقتة التي شُكلّت بتفاوض جزائري-فرنسي في مارس/ آذار 1962، لأجل المساهمة في الإشراف على انتخابات تقرير المصير. بقي في هذا المنصب بعد أسابيع من الاستقلال، إلى أن تم انتخاب فرحات عباس، رئيساً لأول مجلس تشريعي، الذي اعتبر الرئيس الثاني للجزائر المستقلة.

  • Ahmed Ben Bella (AP)

    من فارس إلى بوتفليقة.. تعرّف على أبرز رؤساء الجزائر

    أحمد بن بلة

    يعدّ أول رئيس منتخب في الجزائر، وأوّل من حاز التسمية رسميا في أكتوبر/ تشرين الأول 1963، لكنه لم يكمل السنتين من حكمه. نال شعبية كبيرة لدوره في حرب الاستقلال إذ كان ممثلا لجبهة التحرير الجزائرية في الخارج. شهدت فترته صراعات سياسية كبيرة، ووُجهت له انتقادات بالاستئثار بالسلطة، كما توترت علاقته مع هواري بومدين، ما انتهى إلى انقلاب الجيش عليه.

  • Houari Boumediene ehemaliger Präsident von Algerien (Getty Images/AFP)

    من فارس إلى بوتفليقة.. تعرّف على أبرز رؤساء الجزائر

    هواري بومدين

    شغل المنصب في يونيو/ حزيران 1965 بانقلاب عسكري مبرّره "التصحيح الثوري" وبقي فيه إلى وفاته في سن مبكرة (46 عاما) نهاية عام 1978. اسمه الحقيقي محمد بوخروبة، يعدّ أحد أكثر رؤساء الجزائر شعبية في العالم العربي خاصة تبنيه فكرة تشجيع الحركات التحررية وتضامنه مع الفلسطينيين. أطلق عدة برامج اقتصادية وسياسية لبناء الدولة، رغم الانتقادات الموّجهة له بتبنّي نظام سلطوي والاعتماد على مؤسسة الجيش.

  • Algerien ehemaliger Präsident Chadli Bendjedid gestorben (Getty Images)

    من فارس إلى بوتفليقة.. تعرّف على أبرز رؤساء الجزائر

    الشاذلي بن جديد

    انتخب منسق شؤون وزارة الدفاع، الشاذلي بن جديد، خلفا لبومدين، واستمر من عام 1979 إلى 1992 بعد إعادة انتخابه مرتين متتاليتين. عانت الجزائر في نهاية عهده من أزمات اقتصادية بسبب تدهور أسعار النفط، ومن صراعات سياسية حاول تجنبها بإقرار دستور جديد والتعددية السياسية. لكنه استقال منصبه بعد انتخابات 1991 التي فاز فيها الإسلاميون وتدخل الجيش لإلغاء نتائجها، ما كان مقدمة لما يسمى بـ "العشرية السوداء".

  • Muhammad Boudiaf Präsident Algerien im Jahr 1992 (Abdelhak Senna/AFP/Getty Images)

    من فارس إلى بوتفليقة.. تعرّف على أبرز رؤساء الجزائر

    محمد بوضياف

    أحد رجالات الثورة، لكنه أجبر على المنفى بعد خلافاته مع بن بلة ومن بعده بومدين. كان يعيش في المغرب عندما لبّى دعوة الاضطلاع برئاسة المجلس الأعلى للدولة بداية 1992. لكنه اغتيل بعد حكمٍ لم يدم سوى خمسة أشهر ونصف. وُجه الاتهام لضابط قيل إنه متعاطف مع الإسلاميين، لكن مراقبين قال إن الاغتيال كان مدبرا من جهات أعلى، خاصة مع إعلان بوضياف الحرب على الفساد غداة تعيينه.

  • Ali Kafi ehemaliger Präsident von Algerien (Getty Images/Gamma-Rapho)

    من فارس إلى بوتفليقة.. تعرّف على أبرز رؤساء الجزائر

    علي كافي

    اختير خلفاً لبوضياف نظرا لمساره العسكري والسياسي في جزائر ما قبل وبعد الاستقلال وقيادته الأمانة العامة لمنظمة المجاهدين (مقاومي الاستعمار). لم تكن بصمته حاضرة كثيراً، كما لم يستطع وقف حمام الدم في البلاد إلى حين تسليمه السلطة لخلفه اليمين زروال في يونيو 1994، لكن مذكراته التي صدرت بعد سنوات من التزامه الصمت أثارت جدلا في البلد لتطرقها إلى فترة الثورة.

  • Algerien ehemaliger Präsident Liamine Zeroual (Getty Images/Corbis/Sygma/P. Robert)

    من فارس إلى بوتفليقة.. تعرّف على أبرز رؤساء الجزائر

    اليمين زروال

    وزير الدفاع الذي عُيّن خلفاً لعلي كافي. أضفى "شرعية سياسية" على منصبه، بعد انتخابه رئيسا للبلاد في نوفمبر/ تشرين الثاني 1995. فتح في البداية قنوات حوار مع جبهة الإنقاذ الإسلامية، لكن العملية فشلت. صدر في عهد زروال دستور جديد للبلاد، قبل أن يعلن عدم نيته الترشح لانتخابات 1999، بعد إخفاقه في وقف مجازر "العشرية السوداء".

  • Algerischer Präsident Abdelaziz Bouteflika (Getty Images/AFP/R. Kramdi)

    من فارس إلى بوتفليقة.. تعرّف على أبرز رؤساء الجزائر

    عبد العزيز بوتفليقة

    انتُخب في أبريل/ نيسان 1999. هو وزير الخارجية بين عامي 1963 و1979. قدم أول ترشح له للرئاسة بصفته مرشحا مستقلا. شهدت سنواته الأولى شعبية كبيرة لمساهمته في إصدار قانون المصالحة الوطنية وبالتالي إنهاء الحرب الأهلية، لكن شعبيته تراجعت بعد تعديل الدستور لتمكنيه من ولاية رئاسية ثالثة. رغم إصابته بجلطة دماغية عام 2013، إلا أنه انتخب لولاية رابعة، فضلاً عن ترشحه لولاية خامسة.