بعد الإعلان عن إيداع بوتفليقة ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة وتعهده بمجموعة من الإصلاحات، في حال فوزه، استمرت الاحتجاجات في الجزائر. فكيف يُنظر إلى تلك الوعود؟ وما تأثيرها على الاحتجاجات الشعبية هناك؟

بعد أيام من الترقب والانتظار وفي أوج موجة الاستياء الشعبي غير المسبوقة والرافضة لإعادة انتخاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، قدم فريق حملة بوتفليقة يوم الأحد (3 مارس/ آذار) أوراق ترشحه بشكل رسمي للانتخابات الرئاسية، المقررة في الـ 18 أبريل/ نيسان المقبل.

وفي رسالة بثها التلفزيون الجزائري الرسمي، أعلن بوتفليقة عن تعهده في حال فوزه بإجراء انتخابات مبكرة لن يكون ضمن المرشحين فيها. رسالة الرئيس، المتواجد حالياً في سويسرا للعلاج، حملت أيضاً وعوداً بمجموعة من الإصلاحات، منها إعداد دستور جديد يُزكّيه الشعب الجزائري عن طريق الاستفتاء يكرسُ ميلاد جمهورية جديدة والنظام الجزائري الجديد، ووضع سياسات عمومية عاجلة كفيلة بإعادة التوزيع العادل للثروات الوطنية وبالقضاء على كافة أوجه التهميش والاقصاء الاجتماعيين، بالإضافة إلى تعبئة وطنية فعلية ضد جميع أشكال الرشوة والفساد.

 غير أن الجزائر عاشت ليلة أمس، على وقع استمرار الاحتجاجات ضد ترشحه للانتخابات الرئاسية، وأثارت الإصلاحات الموعود بها من قبل المرشح الغائب، غضب الجزائريين، إذ تظاهر الإثنين أيضا مئات الطلبة مجدداً ضد بوتفليقة. وعن كيفية تأثير إعلان الإصلاحات هذه على الاحتجاجات الشعبية في الجزائر، ترى الأستاذة والباحثة المختصة في الشؤون المغاربية، نوال بالخضر، أنها ليست وعوداً حقيقية بالإصلاحات "لأنها ببساطة لا تستجيب لمطالب المحتجين المتواجدين في الشارع منذ أسابع رافضين للعهدة الخامسة". وأضافت بالخضر في حوارها لـDW عربية: "إعلان أمس كان بمثابة إهانة للشعب الجزائري. لهذا أعتقد أن الإعلان عن الإصلاحات لن يمتص غضب الشارع، بل على العكس من ذلك ستستمر موجة الاحتجاجات وتتوسع أكثر، إذ انضمت اليوم  فئات أخرى مثل المحامين وعمال المصانع إلى الاحتجاجات".

"طريقة لربح الوقت"

ويطرح التوقيت الذي، أعلن فيه بوتفليقة عن إجراء إصلاحات في حالة فوزه بالانتخابات، تساؤلات عديدة، خاصة أن ذلك جاء في نفس وقت الإعلان عن تقديم أوراق ترشحه بشكل رسمي، وترى بالخضر في توقيت الإعلان طريقةً يستخدمها المحيطون بالرئيس من أجل ربح المزيد من الوقت فقط وقالت: "كل ما جاء به هذا الإعلان هو أنه لن يعلن ترشحه لولاية سادسة، والمحيطون ببوتفليقة يريدون الإبقاء عليه في الحكم، ولهذا لم يكن هناك اهتمام واضح بإصلاحات جوهرية، تهدد وجود النظام".

Naoual Belakhdar Algerien Expertin (DW/M.Slimi)

نوال بالخضر، أستاذة وباحثة مختصة في الشؤون المغاربية

طريقة تقديم أوراق ترشح بوتفليقة كانت محط انتقاد أيضاً، إذ قدم عبد الغني زعلان، مدير حملة بوتفليقة، إلى المجلس الدستوري ملف ترشح الرئيس، بحسب وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية. وكان حمراوي حبيب شوقي، مساعد مدير الإعلام بحملة بوتفليقة للانتخابات الرئاسية قد أكد في وقت سابق من يوم أمس على عدم حضور الرئيس للمجلس الدستوري لإيداع ملف الترشح. وقال شوقي في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية: "إنه وحسب المادة 139 من القانون الانتخابي للبلاد، يمكن إيداع الملف بالنيابة ". في حين قال عبد الوهاب دربال، رئيس الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات في الجزائر، إنه يتعين على كل المرشحين في الانتخابات الرئاسية تقديم أوراق ترشحهم شخصياً.

بدورها ترى بالخضر أن رسالة الإعلان لم يقم بوتفليقة بكتابتها بنفسه و إنما كُتبت من قبل مؤيديه، الذي يتحكمون بمصير البلاد ويريدون من خلال هذا ربح الوقت من أجل إيجاد حل للحفاظ على مصالحهم، حسب تعبيرها.  

"مجرد إصلاحات شكلية"

من جهتها احتجت أحزاب المعارضة على الطريقة، التي تم من خلالها إيداع ملف ترشح بوتفليقة أمس، وفي هذا الصدد أكد حزب التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية الجزائري المعارض على أن ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة للانتخابات الرئاسية، "غير شرعي" و "جريمة" في حق الدستور الجزائري، بحسب بيان نقلته وكالة الأنباء الألمانية اليوم الإثنين (4 مارس/ آذار). وقرر الحزب المعارض مقاطعة الانتخابات الرئاسية المقبلة احتجاجاً على ترشح بوتفليقة.

Algerien Algier - Abdelaziz Bouteflika im Rollstuhl zur Wahl 2017 (Getty Images/AFP/R. Kramdi)

بالإضافة إلى هذا لم تلقَ الإصلاحات، التي وعد الرئيس بالقيام بها في حالة فوزه في الانتخابات المقبلة، صدىً ايجابياً لدى الشعب وكذا لدى أحزاب المعارضة، لأنها "مجرد إصلاحات شكلية"، كما قال المتحدث الإعلامي في حركة مجتمع السلم، بن عجمية بو عبد الله في حوار مع DW عربية. وأضاف بوعبد الله: "إذا كانت هذه الإصلاحات دون انتخابات ديموقراطية، يقول فيها الشعب كلمته، فهي مجرد إصلاحات شكلية لا يمكن أن تلبي مطالب الحراك الشعبي الرافض للعهدة الخامسة والمطالب بإصلاحات عميقة". ويؤكد المتحدث الإعلامي في حركة مجتمع السلم: "الإصلاحات من وجهة نظرنا هي الإصلاحات الحقيقية، التي تشارك فيها المعارضة بكل أطيافها وفي مقدمة هذه الإصلاحات، الحرية، الديموقراطية، لجنة وطنية مستقلة لمراقبة الانتخابات بالإضافة إلى الانتقال الديموقراطي القائم على الانتخابات الحرة والنزيهة".

كما ذكر بن عجمية بو عبد الله أن حزبه يرفض أيضاً المشاركة في الانتخابات الرئاسية، واصفاً ما يحدث بـ"المهزلة"، مؤكداً على مواصلتهم الكفاح السلمي والدعوة إلى الانتقال الديموقراطي وإلى التوافق الوطني من أجل الخروج بالبلد من الأزمة.

"ماذا ننتظر؟" هكذا أجاب بن عجمية عن سؤال عمَّا إن كانوا سينتظرون الإصلاحات، التي وعد بها الرئيس، مشيراً إلى أنهم يعرف النظام جيداً ويعرفون أنه رافض لأي دعوة للإصلاحات وإلى الحوار مع المعارضة "إنها وعود لا تتضمن الأولويات المتمثلة في الإصلاحات العميقة القائمة على الانتقال الديموقراطي الحقيقي ولجنة مستقلة لمراقبة الانتخابات الديموقراطية".

DW Quadriga - Thomas Schmid (DW)

توماس شميد، صحفي ألماني وخبير في الشأن المغاربي

توظيف التخويف من الإرهاب

في محاولة منه إلى تهدئة الأوضاع وكبح جماح الاحتجاجات، استخدم  النظام ورقة "العشرية السوداء" من أجل التخويف من خطر الإرهاب، إذ حذر رئيس الحكومة الجزائرية أحمد أويحيى، في وقت سابق، من تكرار "سيناريو سوريا" في بلاده جراء التظاهرات، التي ترفض ترشح بوتفليقة لولاية خامسة. بينما ألمح أحمد قايد صالح إلى نظرية المؤامرة.

لكن الصحفي الألماني والخبير في الشأن المغاربي، توماس شميد، نفى أن يكون هناك خطر حقيقي، كما قال في حواره  لـDW عربية "لا أعتقد أن هذا الخطر حقيقي، لأنه تمت السيطرة على الإرهاب بشكل  واسع خلال العشرة أعوام الماضية، وربما هذه هي الحسنة الوحيدة، التي تُحسب لبوتفليقة خلال حكمه". وأضاف شميد أن "الأحزاب الإسلامية لا تحظى بشعبية كبيرة لدى الشعب الجزائري".

بدورها شاطرت نوال بالخضر، الخبير الألماني الرأي في هذا الاتجاه وقالت:" فقد الإسلام السياسي الكثير من مصداقيته بسبب الدماء التي تمت إراقتها خلال العشرية السوداء، ليس فقط في الجزائر وإنما على مستوى العالم العربي". وأضافت بالخضر: "صحيح أن هناك تخوفاً بين الجزائريين من عودة الإرهاب، لكن ليس لهذا التخوف مؤشرات ملموسة، ولن يكون الإسلاميون البديل كما حدث في بعض الدول العربية بعد ثورات الربيع العربي عام 2011".

 إيمان ملوك

  • Algerien Proteste gegen die Regierung (picture-alliance/dpa/XinHua)

    حراك الجزائر ـ الاحتجاجات تدخل مخاض "جمعة الحسم"

    شعلة الاحتجاجات

    بعد إعلان ترشحه لولاية خامسة في الانتخابات الرئاسية المقررة في 18 نيسان/ أبريل 2019، أنهى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بذلك شهوراً من التكهنات حول إعادة ترشحه لولاية جديدة. وكان لهذا الإعلان وقع الصدمة في الجزائر، ما خلق حالة غليان، بدأ إفتراضياً على مواقع التواصل الاجتماعي ثم انتقل إلى احتجاجات ميدانية عارمة رافضة.

  • Screenshot Twitter Account JohnHanaDahli (Twitter/JohnHanaDahli)

    حراك الجزائر ـ الاحتجاجات تدخل مخاض "جمعة الحسم"

    من العالم الافتراضي

    انطلقت الاحتجاجات في الجزائر ضد ترشح بوتفليقة لولاية خامسة في بادئ الأمر عبر دعوات مجهولة على مواقع التواصل الاجتماعي. بالإضافة إلى دعوات أخرى أطلقتها حركة "مواطنة" وحركات وأحزاب المعارضة الرافضة لإعادة انتخابه. وتشهد العاصمة الجزائرية ومدن أخرى منذ الجمعة الماضي تظاهر الآلاف من الجزائريين، أغلبهم من الشباب.

  • Algerien - Studentenproteste (picture-alliance/F. Batiche)

    حراك الجزائر ـ الاحتجاجات تدخل مخاض "جمعة الحسم"

    "لا للعهدة الخامسة"

    عبر المتظاهرون في الجزائر عن رفضهم ترشح بوتقليفة لولاية خامسة من خلال ترديد شعارات مختلفة، أبرزها "لا للعهدة الخامسة" وأخرى مثل"لا بوتفليقة لا السعيد" في إشارة الى شقيقه السعيد بوتفليقة الذي يتم الحديث عنه كخليفة للرئيس. وكذلك "بوتفليقة إرحل" و"أويحيى إرحل" إضافة الى أغان معارضة للحكومة يرددها عادة المشجعون في الملاعب.

  • Algerien | Tausende protestieren gegen fünfte Amtszeit von Präsident Bouteflika (picture-alliance/dpa/AP Photo/A. Belghoul)

    حراك الجزائر ـ الاحتجاجات تدخل مخاض "جمعة الحسم"

    سلمية الاحتجاجات

    تتسم الاحتجاجات الحالية، التي تعد الأكبر منذ تولي الرئيس الحالي، عبد العزيز بوتفليقة سدة الحكم عام 1999، بالسلمية وسط انتشار أمني غير مسبوق. كما انتشر رجال الشرطة، وقوات مكافحة الشغب صبيحة اليوم بشكل مكثف، للتمركز في النقاط الأساسية التي من المتوقع أن يصل إليها المحتجون.

  • Algerien Proteste gegen die Regierung (AFP/R. Kramdi)

    حراك الجزائر ـ الاحتجاجات تدخل مخاض "جمعة الحسم"

    صحوة الشعب

    يشارك في الاحتجاجات مختلف أطياف المجتمع الجزائري. وشكل الشباب الفئة الأكثر حضوراً في الشارع. كما انضم آلاف الطلبة الجزائريين إلى الاحتجاجات المناهضة لترشح بوتفليقة. وللمرة الأولى في تاريخ الجزائر يشارك صحفيو التلفزيون الرسمي والإذاعة الحكوميتين في احتجاج ضمن موجة المطالب الشعبية المناهضة لترشح بوتفليقة.

  • Algerien Wahlen | Kundgebung des Kandidats Rachid Nekkaz (AFP/R. Kramdi)

    حراك الجزائر ـ الاحتجاجات تدخل مخاض "جمعة الحسم"

    مرشحون خطفوا الأضواء

    يقف أمام الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة مرشحون آخرون، أمثال الجنرال السابق، علي غديري، وكذلك المرشح الإسلامي عبد السلام مقري، الذي يمثل تيار الإخوان المسلمين. بالإضافة إلى الناشط السياسي رشيد نكاز، الذي خطف الأضواء إثر التفاف حشود من المؤيدين حوله أمام مقر بلدة الجزائر الوسطى، ما دعا الشرطة إلى اجباره على مغادرة المكان.

  • Algerien Bouteflika Amtseid (Reuters)

    حراك الجزائر ـ الاحتجاجات تدخل مخاض "جمعة الحسم"

    المرشح "الغائب"

    عبد العزيز بوتفليقة، الذي سيكمل عامه الثاني والثمانين السبت المقبل، موجود منذ الأسبوع الماضي في جنيف لإجراء فحوصات طبية دورية، حيث يتوقع أن تستغرق إقامته في سويسرا فترة قصيرة بحسب بيان رئاسة الجمهورية. بوتفليقة، الذي تولى الرئاسة منذ عام 1999، لم يظهر علنا إلا نادراً منذ أصيب بجلطة دماغية في عام 2013 أقعدته على كرسي متحرك.

  • Algerien Proteste gegen die Regierung (picture-alliance/dpa/A. Belghoul)

    حراك الجزائر ـ الاحتجاجات تدخل مخاض "جمعة الحسم"

    جمعة "مليونية"

    يستعد الجزائريون المعارضون لترشح بوتفليقة لعهدة خامسة للخروج في مسيرات مليونية (الجمعة الأول من آذار/ مارس 2019). ويأتي ذلك استجابة للدعوات التي أطلقها نشطاء شباب عبر فيسبوك، ينادون بمليونية، قبل يومين من انتهاء عملية سحب استمارات الترشح من جانب الراغبين في خوض الانتخابات الرئاسية في نيسان/إبريل المقبل.

  • Algerien Parlamentswahlen 04.05.2017 (picture-alliance/abaca/B. Ramzy)

    حراك الجزائر ـ الاحتجاجات تدخل مخاض "جمعة الحسم"

    تسريبات محرجة

    في ظل الاحتجاجات، ظهر تسريبان: الأول خص وثائق سرية لأجهزة الاستخبارات المحلية، نشرتها مجلة "لوبس" الفرنسية وكشفت عن كيفية وصول بوتفليقة إلى موقع الرجل الثاني في النظام الجزائري. أما التسريب الثاني فيعود إلى مكالمة هاتفية بين عبد المالك سلال، مدير الحملة الانتخابية لبوتفليقة، مع علي حداد، رجل الأعمال المقرّب من النظام، تتضمن جزءاً من خططهما لتجاوز حالة الاحتجاجات (لم يتم تأكيد صحة التسريب رسميا).

  • Wahlen in Algerien Präsident Abd al-Aziz Bouteflika (picture-alliance/dpa/S. Djarboub)

    حراك الجزائر ـ الاحتجاجات تدخل مخاض "جمعة الحسم"

    يوم حاسم في تاريخ الجزائر

    ورغم تواصل الاحتجاجات في الجزائر ضد ترشح بوتفليقة، قال مدير حملته الانتخابية يوم الأربعاء (27 شباط/ فبراير) إن الرئيس سيقدم بشكل رسمي أوراق ترشحه لولاية جديدة في الثالث من مارس/ آذار، أي 15 يوماً قبل الانتخابات. ما قد يوسع من حالة الرفض للعهدة الخامسة ويجعله يوماً حاسماً في مصير البلاد. إعداد: إيمان ملوك

    الكاتب: إيمان ملوك