باتت الأمور واضحة لا يعتريها شك إطلاقًا، ومن البديهي أنّ لكل منظومة قوة لها على الأرض غطاء على شكل لجنة أو مؤسسة أو منظمة، وآلية هذا الغطاء (ستر، إعادة تأهيل، ترميم، تجميل، ترقيع ) والهدف الذي يُتاجر به هو قضية الإنسان وكرامته!

الخبر: أعلن المبعوث الأممي إلى سوريا – ستيفان دي مستورا – استقالته من منصبه.

نجح المبعوث ستيفان دي مستورا في مهمته خلال الأربع سنوات الماضية، وحقق ما لم يحققه سلفه الجزائري السابق الأخضر الإبراهيمي، كان من أولويات دي مستورا اللعب على عامل الزمن وتعطيل أي مسار وطني يخدم السوريين وثورتهم، عمل على تجميد القتال واللجوء بالضغط على الثوار إلى عقد سلسلة المصالحات والتسويات مع نظام الأسد، وتسهيل عمليات التهجير القسري بدءًا من حلب مرورًا بحمص ودرعا إلى ريف دمشق، وزجّهم وحصرهم في إدلب، وبالإضافة إلى تهميشه للوطنيين الأحرار من خلال العملية الإنتقالية من المجلس الوطني حتى الهيئة العليا للتفاوض التي يرأسها اللانزيه نصر الحريري المنقلب على سابقه السيد رياض حجاب، وعمله على تشكيل مجموعات لإعادة إعمار سوريا (المجموعات الخمس المصغرة) ومجموعة بروكسل لتأهيل النظام السوري سياسيًا، وأقبح ما في خطواته هي اللجنة الدستورية الأخيرة، وما زال العمل جاريًا وفق منظور أسدي، حيث تتألف اللجنة من ثلثين الأعضاء من النظام وثلث من المعارضة غير النزيهة، والتي لا تمثل الشعب السوري، وسمعنا اليوم بشار الجعفري يعترض على ثلث المعارضة، العجيب يريد الجعفري وسيده بشار تطبيع كامل ومكشوف لمسمى المعارضة في اللجنة الدستورية أو رغبته في إضافة ثلث من مؤيديهم فيصبح ثلاثة أثلاث نظام وثلث معارضة!

على ضوء الخبر ما أعلنه المبعوث دي مستورا ليس استقالةً، بل انتهت مدّته وحان وقت تنصيب من يتابع سير الخطوط التي رسمها خدمة لبشار الأسد، وبهذا شرح لما أسلفت عن معنى الغطاء، هيئة الأمم المتحدة وعلاقتها بأحادي القطبية يتوجب عليها أن تكون الحصن الحصين له، ولكي تضمن كل المنافذ والمداخل القانونية شرعت حق الفيتو بأيدي الدول الدائمة العضوية في المجلس!

وبعد العثرات والفشل المتوالي في الثورة نحتاج إلى التمحيص جيدًا في عدة تصورات وتوقعات في وجهات النظر وإعادة التعريف وتفتيت المصطلحات، للوصول إلى استنتاجات تدفعنا إلى الحلول النزيهة والعادلة، خصوصًا مسألة الهوية الوطنية التي قد تلتبس عند الكثيرين فمؤيدو النظام السوري يسمّون أنفسهم وطنيون، ويتشدقون بالهوية الوطنية، فقولًا واحدًا لا يملك الإنسان حقّ امتلاك الحديث عن الهوية الوطنية وهو جزء من نظام شمولي – استبدادي!

ومن المستحيل أنّ نصل إلى حلول شاملة وعادلة دون الوقوف على مسافة واحدة والجلوس تحت سقف واحد، ألا وهو الحفاظ على الهوية الوطنية الديمقراطية الجامعة (سياسيًا) لكل المكونات السورية النزيهة، ويقينًا بالهوية الجامعة يتعدل الحل والقرار السياسي بحيث يصب في مصلحة السوريين ككل، وما الإقصاء والتهميش والأدلجة المُتطرفة إلّا زيادة في التّشظي والتشويه لتلك الهوية، وللأسف كلّ معطل لها (الهوية الوطنية الديمقراطية) هو شريك نظام الأسد في الإجرام!

وبمناسبة الحديث  قرأت مقال ناقد نُشر في موقع الجمهورية نت للكاتب أيمن أبو هاشم بتاريخ 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018.

يذكر الكاتب أبو هاشم بعد نقد طويل أنّه لا بد من إعادة تعريف الوطنية السورية من منظور تاريخي معرفي، يوجب التقاط حالات ومستويات انزياح السوريين عما يجمعهم وطنيًا من صلات وعلائق، بعد الهزات العنيفة التي كشفت عن عمق أزمة الهوية الوطنية، ومأزق التعرّف إلى عناصرها المشتركة بفعل ما صنعه الاستبداد من شروخ وتصدعات في البنى والتشكيلات المكونة لها.

خلاصة القول: إن سبب فلاح ونهضة أمة من الأمم هو في احتواء والتفاف المكون الوطني – القومي على بعضه البعض، وخير شاهد ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية أصبحت صفرية الحال، فانضوت تحت نفسها، وأول بداية إعمار ألمانيا كان بمشروع مارشال.