يتسابق زعماء العالم للتكيف مع الوضع الجديد للعلاقات مع نظام كيم جونج أونج.

منذ إعلان بانمونجوم للمصالحة بين الكوريتين، والذي تبعه بفترة وجيزة قمة ترامب كيم في سنغافورة، إضافة إلى نزع السلاح النووي في كوريا الشمالية، بدأت جدران عزلة كوريا الشمالية تتهدم، لكن السؤال الذي يطرح نفسه كيف سينعكس ذلك على موازين القوى في الشرق الأقصى من القارة الآسيوية؟

نشرت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية تقريرًا أعدته الدكتور جاغانات باندا -زميل أبحاث ومنسق قسم شرق آسيا في معهد الدراسات والتحليلات الدفاعية (IDSA) في نيودلهي- تتناول فيه أهم وأبرز التغيرات المترتبة على نزع السلاح النووي في كوريا الشمالية، وكذلك فك عزلتها وانفتاحها على العالم.

تقول الكاتبة إن قضية نزع الأسلحة النووية من كوريا الشمالية ستسيطر على كل النقاشات الاستراتيجية دون غيرها من القضايا الاستراتيجية، فضلًا عن أن الاجتماع الذي عقد بين دونالد ترامب ونظيره كيم جونج أونج أدى إلى زيادة احتمالات تحقق السلام في شبه الجزيرة الكورية، إلا أن هناك الكثير من العقبات المقبلة لا سيما في ظل إعادة ترسيم المشهد العسكري والاستراتيجي لآسيا.

تحول في العلاقات مع كوريا الشمالية

فمن ناحية تقول الكاتبة إن قضية نزع الأسلحة النووية ليست بجديدة على المنطقة، فلطالما كانت مثارًا للجدل، وعلى الرغم من تحسن العلاقات بين ترامب وكيم، ستستمر الاختلافات بين الكوريين والأمريكيين خلال العملية وفي تحديد معنى «النزع الكامل»، ستدعم الصين الطريقة المرحلية التي تفضلها بيونج يانج، بينما ستدعم اليابان على الأرجح مطالب الولايات المتحدة بنزع السلاح النووي بصورة كاملة ويمكن التحقق منها ولا رجعة فيها.

مضيفة أن عقب سوء الفهم الأخير بشأن المناورات العسكرية المشتركة بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة الأمريكية، فإنه من المحتمل أن تخضع لأوقات عصيبة، وأكثر توترًا في الفترة القادمة، إذ يحتم عليها إيجاد توازن تكتيكي بين جميع الأطراف الحيوية والمهيمنة في شمال شرق آسيا، جدير بالذكر أن ترامب تعهد بإنهاء التدريبات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية قبيل قمة سنغافورة.

وبعد قمة سنغافورة، يبدو أن قادة الدول الفاعلة سيتبعون قيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تبدل موقفها بشكل محوري، إذ كانت تسعى دائمًا إلى عزل كوريا الشمالية آملة في انهيار النظام، إلا أن سيناريو مضادًّا برز في الأفق، حيث يود قادة العالم الانخراط في علاقات مع بيونج يانج بأسرع وقت ممكن، ويظهر ذلك جليًا من خلال اجتماعات كيم جونج أونج مع الزعيم الصيني شي جين بينغ، ورئيس كوريا الجنوبية مون جاي إن، والرئيس ترامب في غضون شهر ونصف.

علاوة على ذلك، قد دعا كبير دبلوماسيي فلاديمير بوتين سيرجي لافروف، كيم لزيارة روسيا، وباعتباره مضيفًا لقمة ترامب-جونغ باعتباره طرفًا ثالثًا، وإشارة سنغافورة إلى أن العالم برمته صار أكثر انفتاحًا على خطوة إزالة عقوبات الأمم المتحدة المفروضة على كوريا الشمالية، إذا ما قامت بتفكيك المواقع النووية وإفراغ مخزوناتها بالكامل.

040b704f56.jpg

الهند

تقول الكاتبة إن مثل تلك الديناميكية المتأهبة في العلاقات مع كوريا الشمالية جعلت من تلك الفترة بالغة الأهمية لا سيما للدول والأطراف غير الفاعلة في القضية مثل الهند، والتي انشغلت لفترة طويلة بما أطلقت عليه «تورط كوريا الشمالية في الانتشار النووي مع باكستان»، وجدير بالذكر أن مؤسس برنامج الأسلحة النووية الباكستاني صرح بأنه باع أسرارًا متعلقة بالأمر لكوريا الشمالية فضلًا عن إيران وليبيا.

وتذكر أن نيودلهي لم تكن عضوًا في المحادثات السداسية التي كانت تهدف إلى حل الأزمة النووية بين عامي 2003 و2009، بل إنها لم تشارك بشكل مباشر في السياسات الكورية منذ الخمسينيات من القرن الماضي ومنذ الحرب الكورية، وقد شكل البعد الجغرافي بين البلدين وافتقارها للعضوية الدائمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حجر عثرة في نشوء علاقات مباشرة.

بيد أن رئيس الوزراء الهندي «ناريندرا مودي» جعل من «التوجه نحو الشرق» مرتكزًا لسياساته الخارجية، وتطور برنامج «التطلع نحو الشرق» الذي وضعه أسلافه الذين رأوا ضرورة أن تحاول الهند إقامة علاقات جديدة مع الكوريتين، وترى الكاتبة أنه إذا تمكن مودي بالفعل من تحويل تلك التطلعات إلى أفعال، فستكون بمثابة فرصة مناسبة للانخراط في علاقات مباشرة، لا سيما أنه لن يكون هناك «نزع تام للأسلحة النووية» من دون معالجة علاقة كوريا الشمالية بباكستان.

a493f46a39.jpg

وعلى الرغم من أن دور الهند في بعض الفترات ذهب طي النسيان، ترى الكاتبة أنه من الأهمية بمكان توضيح أن الهند لم تكن دائمًا مراقبًا سلبيًا في قضايا الشرق الأقصى، إذ كانت ذات مرة قوة رئيسية في الممر الكوري، وكانت عضوًا رئيسيًا في لجنة التسع التابعة للأمم المتحدة، والتي تشكلت بهدف إجراء انتخابات في كوريا ما بعد الاستقلال عام 1945. ويتوافق عيد استقلال كوريا الجنوبية الموافق 15 أغسطس (آب) 1948، مع يوم استقلال الهند، فضلًا عن أن القرار الذي قبلته كوريا الشمالية والجنوبية بإنهاء الحرب المعلنة ووقف إطلاق النار في تاريخ 27 يوليو (تموز) 1953، كان برعاية الهند.

ومن ثم ترى الكاتبة أنه يجب على الهند أن تقرأ بعناية وحذر البيئة الاستراتيجية في آسيا الآن، وعليها دائمًا أن ترسم خطًا دقيقًا في علاقاتها مع الصين والولايات المتحدة الأمريكية، فكلاهما يمكن أن يضع العقبات في طريق أي قوة عظمى أخرى محتملة تسعى لجعل وجودها ملموسًا في المنطقة، وتشير الكاتبة إلى إحدى الخطوات التي اتخذتها الهند مؤخرًا، إذ تقول كانت زيارة وزير الخارجية الهندي «في كيه سينغ » المفاجئة لبيونج يانج الشهر الماضي، والتي لم تلاحظها وسائل الإعلام في خضم الإثارة حول قمة ترامب وكيم، خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح، وأضافت أنه إذا ما انفتحت كوريا الشمالية على العالم الخارجي، فسوف تسعى الهند بكل تأكيد إلى تولي دور أكبر في إطار تفويض الأمم المتحدة لمعالجة القضايا الإنسانية الراهنة، فضلًا عن دور آخر في تعافي كوريا الشمالية المحنة الاقتصادية.

وتختتم الكاتبة تقريرها بالتأكيد على ضرورة تحين الهند الوضع الراهن كي تعيد إحياء دورها التاريخي باعتبارها راعية للسلام، لا سيما أن من المرجح أن تظل الصين والولايات المتحدة الأمريكية القوتين الفاعلتين الرئيسيتين في إخراج كوريا الشمالية من عزلتها، إضافة إلى إبداء التواجد الروسي في سوريا استعداده وتأهبه للانخراط مباشرة على الساحة الدولية، وكذلك إعلان بانمونجوم الذي يعبر عن بدء «حقبة جديدة» من المصالحة بين الكوريتين.