كانت بداية الثورة في سوريا كلمات خطها بضعة أطفال على الجدران في درعا، وباتت لاحقا ظاهرة "الرجل البخاخ" طريقة للتعبير عن شعارات الثورة بعيدا عن قبضة أجهزة النظام. لكن هذه الجدران تحولت أخيرا في أحياء حلب الشرقية؛ لدفاتر يدون عليها الراحلون حكاياتهم وذكرياتهم، لتبقى شاهدة على ما عانوه من مرارة الحرب، ولتعبر عن عشقهم لمدينتهم التي أُجبروا على الرحيل منها.

"صالح ومروة" زوجان ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بصور ما خطّاه على جدران على حلب قبل تهجيرهم منها الشهر الماضي؛ عندما كتبا وبشكل عفوي في وداعهم لحلب: "راجعين ياهوى"، لتمتزج مشاعر الحنين للمنزل وألم الوداع مع التعبير عن مشاعر الحب بين العروسين اللذين لم يمض على زواجهما سوى نحو ثلاثة أسابيع حينما غادرا المدينة.

تعرّف صالح على مروة خلال نشاطه في الثورة، حيث كان يعمل في تصوير ومونتاج الأفلام التي تحكي عن الثورة.

ويقول صالح في حديث خاص لـ"عربي21": "منذ حوالي خمسة شهور كنت أعمل على إنتاج فيلم يتحدث عن معاناة الأهالي في حلب، اكتملت معي كل عناصر الفيلم، إلا أني لا زلت أبحث عن ممثلة حينها، وتقدمت الكثيرات لأداء هذا الدور لكني لم أقتنع بأيّ منهن، إلى أن تقدمت مروة وأعجبت كثيراً بشخصيتها".

وأضاف: "ما زاد إعجابي بها أنها تعمل أصلاً في مجال الدعم النفسي، وتحولت مروة من بطلة في الفيلم الذي أنتجه إلى بطلة في حياتي ورفيقة في الحرب التي نعيشها"، ما ييقول.

ويتابع صالح: "منذ ثلاثة أشهر شن النظام السوري حملة عنيفة على حلب، لكننا قهرنا هذا الموت وأعلنا خطبتنا لنخلق جواً من الحياة وسط الموت الذي نعيشه، وعشنا كل هذا القصف سوية".

ويوضح صالح قائلا: "لم يكن من شيء يخفف من بشاعة ما أعيشه سوى وجود مروة بجانبي، ربما لحظات الحب في الثورة لا تختلف كثيراً عما قبل الثورة، إلا أن ذاك الشعور الذي يراودك عندما تحس أنه في أي لحظة ممكن أن تفقد شريكك؛ يجعلك تتمسك بكل تفاصيل الحياة معه، وخطورة الوضع الذي نعيشه فتح الباب لنعبر عن مشاعرنا بشكل أكبر، إلى أن أعلنا زواجنا في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر".

من جانبها، تقول مروة لـ"عربي21": "عشت شهر عسل مميزا؛ لأن الجو كان مختلفاً بكل شيء، الخوف الممزوج بالفرح، الحب والتمسك بصالح حتى النهاية"، بحسب تعبيرهها.

وعن آحر لحظاتها في حلب تقول مروة: "على الرغم من مرارتها، كانت لحظات جميلة.. أن أنجو برفقة من أحب هو انتصار آخر".

وتضيف: "كان الجيش (قوات الأسد) يحاصر المكان، والقصف يحيط بنا من كل جانب.. لكن ألم خروجنا من حلب لا يوصف، أما الكتابة على الجدران فهي الشيء الوحيد الذي بقي لي في حلب".

ويشرح صالح عن العبارة التي خطها بيده قبل أن يغادر حلب؛ بالقول: "في اليوم الذي تم فيه إعلان الهدنة في حلب، تحدثت مع مروة بأننا سنخرج في الصباح لنتمشى في شوارع حلب قبل أن نغادرها للمرة الأخيرة، وخطرت لي فكرة البخ على الجدران، وقفنا عند أحد الجدران صامتين.. ألم التهجير ومرارة أن تغادر حيّك وبيتك وشارعك مكرهاً؛ جعلاني أكتب هذه الكلمة "راجعين" وتوقفت عن الكتابة ونظرت إلى مروة فقالت لي اكتب "يا هوى". لم يخطر في بالنا أنها كلمات أغنية، خطر في بالي فقط حلم العودة، ثم أخبرت مروة أن هذه لأهالي حلب، وسأكتب لكِ ذكرى خاصة، وكتبتُ: إلى من شاركتني الحصار بحبك".

ويؤكد صالح أنه "عندما كتبتُ هذه الشعارات لم يكن هدفي أن أحرك الرأي العام أو أكسب شهرة وتعاطفاً من أحد، إلا أنها وبمحض الصدفة أحدثت هذه الكتابات هذه الضجة الكبيرة على الإعلام، وبات لها رمزية خاصة عند إعلاميي الثورة في حلب وأطلقوا وسماً خاصاً لها، حتى أن إعلاميي النظام صاروا يلتقطون عندها صوراً في محاولة منهم للسخرية منا".