عزيزي الإنسان، تخيل أن تنتقل تقنية الفيديو من ملاعب كرة القدم وتقتحم كل المجالات، فتصبح أداة لإحقاق الحق وإقرار العدالة داخل المجتمعات الإنسانية، تخيل أن توشوش في أذن صديقك يوم الامتحان أو أن تناوله خلسة ورقة التسويد، فيطلب المراقب منمدير المؤسسة استعمال تقنية var فتغدو من الراسبين، ماذا لو طلبت سيدة الرجوع إلى تقنية الفيديو التي ثبتتها الحكومة في كل البيوت للرجوع اليها حال وقوع جريمة أو مخالفة في خلوات الناس لإثبات تعرضها لاغتصاب زوجي، أو للتحقق من نسب ابنها بدل تحليل ADN المكلف. أنا أشعر أنك تردد الآن في قرارة نفسك أن الأمر يشبه تأسيس مجتمع أفلاطوني فاضل تحكم فيه التقنية بدل الفيلسوف الحكيم كما تمنى أفلاطون، ولكن من يدري؟ لو عرف أجدادنا أن في عصرنا سيكتشف الإنترنت والدمى الجنسية لكان أكبر همهم هو إيجاد آلة زمن.

var كما تعرف عليها العالم لأول مرة في مونديال الروس هي اختصار لكلمة video assistant referee، وتستعمل  لمساعدة الحكام في اتخاد قراراتهم في مباريات كرة القدم. عزيزي الإنسان، سنعتبر أن الفار فكرة وليست تقنية، غاية وليست وسيلة.

سيجزم أحدهم أن الضمير خير رقيب للإنسان، وآخر مؤمن، سيزدري الفكرة لأن له يقين أن الله وحده من يراقب عبده في الخلوة، رجل القانون قد يعتبر تقنية الفيديو انتهاكًا للخصوصية متناسيًا بهدلة الفيسبوك الذي أصبح بإمكانه حتى أن يخبر مستعمه بأن موعد زيارة دورة المياه قد حان، أما رجل التاريخ سيهتدي الى أن تقنية الفيديو هي كنيسة العصور الوسطى ابتدعت فكرتها القوى العظمى لتمارس التسلط على البشرية، والفيلسوف سيؤكد أن ثنائية التقنية – إنسان قد تدمر الماهية الإنسانية وأن الإنسان عرف عنه التغني بما هو مجرد مثل العدالة والإنصاف، ولكن كنهه لايريد الامتثال لها ويستعصي عليه دائمًا التحول من إنسان حيواني إلى إنسان إنساني.

قد يسأل سائل: ما مصيرنا بعد اعتماد تقنية الفيديو؟ أين سنفرغ هذا الكبت؟ الذي وصفه أحمد خالد توفيق رحمه الله بمثابة القيح والغبار الأسود في النفس البشرية، كيف سيسب المواطن الحكومة والساسة وكل من يختلف معهم وراء شاشته وشرطة مكافحة الجريمة الالكترونية أصبحت تراقب الجميع بتقنيتها المشؤومة؟ ما السبيل الذي سيسلكه التافهون من الشباب ليواعدوا  الفتيات بالزواج فقط لجرهم لسرير المتعة الزائلة بعدما أصبحت محكمة الأسرة تعاقب كل من أخلف الوعد بفعل ارتفاع عدد العوانس؟ ماذا سيفعل بعض الأساتذة الكسالى في الصيف بعد أن تعفيهم الوزارة من حراسة الطلبة في اختبارات نهاية السنة؛ لأن تقنية الفيديو العجيبة ستتكفل بذلك؟

يبدو هذا الحلم واعدًا، أليس كذلك؟ لكن  في المقابل هل تقوى تقنية الفيديو على مراقبة مشاعر ونيات البشر؟ هل تحد حسدهم  لبعضهم البعض؟ هل تكشف نية من يدغدغ مشاعر الناخبين ويتملص من المسؤولية بعد أن يصل إلى مبتغاه؟هل تكشف لعاشقة عن صدق مشاعر حبيبها؟ هل تسرب أطوار المناقشات السرية التي تتخدفيها  الأحكام الظالمة وتحدد مصير شعوب مستضعفة بأكملها؟ هل تخبر  تقنية الفيديو الأنظمة النزعات الثورية لبعض محكوميها؟ من الصواب أن أتوقف عن السؤال لأني أسمع صدى لا مجلجلة، تجزم أن لا التقنية ولا غيرها قادرة كبح النزعات الشريرة للإنسان.

لا تسمعوا للحالم الواسع الخيال الذي كان يحدثكم منذ البداية، أتيت لأخبركم أن الفار الحقيقي لأي إنسان هو ضميره وأخلاقه وقيمه التي يعود لها عندما يستبد به الشك ويرتكب الأخطاء ويقع في الزلات عن قصد أو غير قصد، تقنية فيديو الدول هو ديمقراطيتها وقوانينها السامية التي تتعالى على أي شخص، ومواطنة أفرادها التي تجعلهم يمارسون على أنفسهم قبل الآخر الرقابة الذاتية، (فار) الإنسانية قيمها ومبادئها التي توحد الشعوب، وليس مجلس الأمن أو غيره الذي يدعم مصالح القوى العظمى فقط، (فار) الحكم هو محاولته التخلص من الشك والسهو والتردد وتقليص هامش الخطأ، فحتى عندما وضعت التقنية رهن إشارته أخطأ وتسبب في نكبات منتخبات ودول.

هذا هو var الحقيقي أما ذلك الذي استعمل في كأس العالم – كما قال نور الدين مرابط – فهو مجرد هراء.