هل سبق لك وأن شاهدت حفلًا موسيقيًا، ورأيت المايسترو وهو يقود الأوركسترا ويوزع المهام على العازفين بواسطة عصاه السحرية الصغيرة؟ كذا الحال بالنسبة للجسد البشري الذي يقف طوال الوقت على أهبة الاستعداد منتظرًا توزيع المهام عليه من قائد الأوركسترا الخاص به: المخ؛ فكل شيء – حرفيًا – يبدأ من داخل رأسك، حيث القائد المتحكم في كل شيء، والذي له القول الفصل في كل لفتة وحركة تصدر عنك، لكن ماذا سيحدث إذا خرّ هذا القائد صعقًا، أو قرر أن يترك – طوعًا أو كرهًا – قيادة الفرقة التي لا زالت تنتظر إشارته؟

أنتجت «شبكة نتفليكس» فيلمًا تسجيليا بعنوان: «My Beautiful Broken Brain»، تدور قصته حول لوتجي سوترلاند، التي تعرضت لسكتة دماغية نزفية، ولم يعد مخها يستوعب الحروف ويفهمها، وأصبحت ترى الأضواء والألوان بشكل مغاير لما يراه باقي البشر.

يصاحبها الفيلم خلال رحلة التعافي، ويطرح سؤالًا: هل يُمكن لهذه الإصابة أن تكون نهاية الحياة بالنسبة للوتجي بعدما أُصيب قائد الأوركسترا الخاص بها، أم أن التغيير الحادث في استقباله للحروف والأضواء والألوان يمكن أن يكون بداية حياة جديدة قد تكون أجمل، إذا استطاعت لوتجي أن تعتادها وتألفها وتتعايش معها؟

على غرار حالة لوتجي سوترلاند التي استطاعت أن تجد لنفسها طريقا مُعبدًا تسير فيه بالرغم من مرضها الذي غيّر شكل الحياة التي عرفتها لسنوات طويلة، تستعرض السطور التالية بعض الأمراض الجسدية والاضطرابات العقلية التي لها بُعد آخر ورؤية مغايرة، مختفية خلف ستار المرض المنسدل، والتي من الممكن أن تكون نقطة نور خارجة من غياهب المرض المُظلم إن فطن إليها أصحابها.

الإبداع والإنتاجية العالية.. الوجه الآخر لاضطراب العاطفة ثنائي القطب

إذا كان بإمكانك اختيار مرضك العقلي، فإن اضطراب العاطفة ثنائي القطب هو اختيارك العاقل الوحيد. *ريتشارد جارزينكا، مؤلف كتاب BLESSED WITH BIPOLAR

هل سبق وأن عايشت شخصًا يعاني من تقلبات مزاجية حادة بادية للعيان علاوة على نوبات اكتئاب هوسية متطرفة؟ هذا الشخص يعاني من اضطراب العاطفة الثنائي القطب، أو ما كان يعرف باضطراب الهوس والاكتئاب (Bipolar Affective Disorder).

المصابون بهذا الاضطراب المزاجي يعانون من تداخل وتضارب غريب في المشاعر، أولها الشعور بالكآبة الشديدة واليأس الاكتئابي، يليها الشعور بالبهجة التي تصل إلى حد الهوس، ثم الشعور مرة أخرى بكآبة يُصاحبها عدم استقرار وازدياد في النشاط مماثل لما يحدُث في النوبة الهوسية. هذه الفترات من الكآبة التي تتزامن مع فترات من الابتهاج والاستثارة غير الطبيعية والتي تختلف اختلافًا تامًا عن الشعور الطبيعي بالابتهاج قد تتسبب في إصابة الفرد بالأذى؛ كونها تدفع الشخص إلى القيام بأعمال طائشة وغير مسؤولة في كثير من الأحيان.

لكن الكثيرين من مرضى اضطراب العاطفة ثنائي القطب وذويهم يعرفون أن وارء الوحش الكامن داخل أرواحهم تقبع كوة نور، تسطع بين الفينة والأخرى، وتمنحهم بعض الطمأنينة والإشراق.

2b8b71426b.jpg

تضارب وتداخل المشاعر الذي تسببه متلازمة اضطراب العاطفة ثنائي العاطفة – مصدر الصورة: mentalhealtharea.com

يقول البروفسيور تشارلز ليك، أستاذ الطب النفسي والخدمات السلوكية في المركز الطبي بجامعة كانساس، بأن الوجه الآخر المشرق لهذا المرض يكمن في نوبات الهوس التي يُصاحبها حالة كبيرة من الإبداع والإنتاجية العالية، مستشهدًا بحالة الفنان فنسنت فان جوخ، الذي لم يُشخص رسميًا بأنه مصاب باضطراب ثنائي القطب، إلا أن أنماطًا معينة من الاكتئاب تتبعها إنتاجية عالية الإبداع، توحي بإصابته باضطراب ثنائي القطب، وكذا الأديب العالمي – الحاصل على جائزة نوبل – إرنست هيمنجواي.

فالأشخاص الذين يعانون من اضطراب ثنائي القطب ينامون أقل عندما تتملكهم نوبات الهوس، ويُصبح لديهم الكثير من الطاقة المفرطة؛ ونتيجة لذلك يُصبحون أكثر إنتاجية من أقرانهم العاديين، بالإضافة إلى زيادة وعيهم بالتفاصيل، وفراستهم، وارتفاع قدراتهم الذهنية؛ ليُصبح كلٌّ من الإبداع والإنتاجية العالية قريني اضطراب العاطفة ثنائي القطب.

الجانب المظلم للإبداع.. كيف حوّل فنانون أمراضهم العقلية والنفسية إلى تحف فنية؟

الحماسة الشديدة ونوبات السعادة غير المبررة التي يعقبها نوبات اكتئاب وحزن شديدين، أحد الأعراض البارزة لمرض اضطراب العاطفة ثنائي القطب، الذي عانت منه الأديبة العالمية فيرجينيا وولف، وإليه أرجع الطبيب النفسي سكليشر في دراسته البحثية: «فيرجينيا وولف.. المرض العقلي وعلاقته بالعملية الإبداعية»، نمط الكتابة الأدبية المميزة لفيرجينا، وأكد أن الوجه الآخر لهذا المرض العقلي كان العامل الرئيس في وجود مثل هذه النصوص الأدبية الإبداعية التي تركتها فيرجينا.

الدماغ يعيد تأهيل نفسه.. فَقْد حاسة يقوي باقي الحواس

تتردد كثيرًا فكرة أن المكفوفين يستطيعون تعويض فقد حاسة البصر لديهم بحاسة سمع حادة، أو بقدرات أخرى فائقة أعلى من أقرانهم المبصرين، وتبرز حالة كلٍ من الموسيقيين ستيفي وندر، وراي تشارلز (كلبهما أصيب بالعمى في عمر مبكر)، كمثال على العمى الذي يمنح صاحبه ميزة في مجال آخر؛ إذ يُعتقد أن تَحسُّن الحواس الأخرى وزيادة كفاءتها ما هو إلا نتيجة لسلوك مُتعلَّم؛ إذ يدفع فقدان البصر المكفوفين إلى التركيز على المنبّهات السمعية، واستخدامها بشكل أكثر فعالية وكفاءة من أجل تعويض فقدان حاسة البصر، إلا أن الأبحاث العلمية تقول إن ذلك لا يعود إلى التعلّم والتأهيل السلوكي؛ فهناك دليل كبير على أنَ الأشخاص الذين فقدوا إحدى الحواس لا يتعلمون كيفية استخدام باقي حواسهم بشكل أفضل كما يُعتقد، بل إن الدماغ يقوم تلقائيا بإعادة تأهيل نفسه من أجل العمل في منطقة أخرى، إذ تقوم منطقة الدماغ المسؤولة عن الحاسة المعطوبة بإعادة تأهيل نفسها؛ لتُصبح جاهزة للعمل في معالجة حواس أخرى؛ مما يعمل على تعزيز كفاءة هذه الحواس.

8ac3cd9a92.jpg

واستنادًا لدراسة علمية، نُشرت في مجلة «The Journal of Neuroscience»، تبيّن أن الأشخاص الذين وُلدوا مُصابين بالصمم يستخدمون مناطق الدّماغ المخصصة لمعالجة الصوت في معالجة اللمس والرؤية عوضًا عن ذلك، وأن هذه العملية التي تُعتبر إعادة تنظيم للوصلات العصبية في الدماغ، تؤثر على كيفية معالجة فاقدي حاسة السمع للمُنبِّهات الحسية؛ الأمر الذي يجعلهم أكثر حساسية لخيالات إدراك حسي، لا يدركها الأشخاص العاديون.

ويتبع هذا الاكتشاف الدراسة المُتنامية حول مفهوم المرونة العصبية (Neuroplasticity)، والتي تعني قدرة الدماغ على التغير تبعًا للظروف المختلفة؛ إذ بيّنت مجموعة كبيرة من الأدلة العلمية، أن الدماغ يُصبح قادرًا على إعادة تنظيم نفسه لدعم وتقوية الحواس الأخرى، إذا مُنعت عنه المعلومات التي تنقلها إليه إحدى الحواس؛ مما يجعل كفاءة حاسة أخرى أقوى وأكثر حساسية.

أخطاء شائعة عن المخ والخلايا العصبية

عبقرية المتوحد تختفي وراء صعوبة التواصل الاجتماعي

التوحد عبارة عن اضطراب في النمو اللغوي والسلوكي والانفعالي والتعبيري، وعادةً ما تظهر أعراضه خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر الطفل؛ إذ يلاحظ عليه صعوبات في التواصل الاجتماعي مع الآخرين، والتفاعل مع البيئة المحيطة به، بالإضافة إلى اضطراب في الاستجابات الحسية للتنبيهات البيئية، وقيامه ببعض السلوكيات أو الأنشطة بشكل متكرر دون كلل أو ملل.

5578975d51.jpg

وتُظهر الدراسات الحديثة أن الأطفال المصابون باضطراب التوحد أو طيف التوحد قد يمتلكون معدلات ذكاء عالية، لكن يصعُب ظهورها للعيان والتعرف عليها بسهولة؛ بسبب صعوبات التواصل الاجتماعي بين الطفل المتوحد والآخرين، فيما  أجرت جامعة كامبردج في عام 2015 دراسة على ما يقرب من نصف مليون شخص، وخَلُصت نتائجها إلى أن السمات التوحدية هي الأكثر شيوعًا بين الأشخاص الممتخصصين في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM)، ومعظم الوظائف التي تتطلب الكثير جدًا من القوة العقلية والذهنية.

وأشارت دراسة أخرى أيضًا إلى وجود صلة وراثية محتملة بين التوحد والعبقرية، إذ إن العائلات التي كان من المرجح أن تنجب أطفالًا مصابين بذاتية التوحد كانت أكثر احتمالية لإنجاب عباقرة.

نتائج الفحص بالرنين المغناطيسي على شريحة من المصابين باضطراب التوحد، أظهرت أيضًا قيام الدماغ بإعادة تأهيل نفسه (كما ذكرنا في المثال السابق)، فقد أظهرت النتائج أن الوصلات العصبية في مناطق الدماغ التي تُستخدم عادة للتواصل الاجتماعي والسلوكيات المقيدة في الأشخاص العاديين وغير المستخدمة لدى التوحديين، قد أُعيد توظيفها لأداء مهام ذكاء أخرى في حالة المصابين بالتوحد؛ الأمر الذي قد يوضح ارتفاع معدل الذكاء والقدرات العقلية والحسية والبصرية لدى العديد من المصابين بالتوحد، وقدرتهم على الإلمام بالتفاصيل الصغيرة وحدة الذاكرة لديهم.

أبرز عشرة “عباقرة” عانوا من التوحد