الترغيب فيمن وقع في فاحشة أن يستر على نفسه

أنا فتى، عندما كان عمري 15 سنة، قمت بممارسة اللواط، ولكن ليس اللواط الصريح، بل من فوق ملابسي مع طفل صغير، وقمت أيضا بالملامسة لأعضاء جنسية لأحد أصدقائي، والآن تبت -ولله الحمد- توبة نصوحا مستوفية الشروط، وقد ستر الله علي، ولم يعلم أحد بهذه الأفعال. فهل يجب علي أن أخبر والدي الطفل الأول بما جرى؟ وأنا خائف، بل شبه متأكد بأنني إذا أخبرتهم سوف يكون نزاع وشقاق كبير بين عائلتي، وسوف تُشَوه سمعتي، والطفل نسي الأمر وكبر، ولا يتذكر شيئا -ولله الحمد- لم يتذكر لا هو ولا صديقي الثاني أيَّ شيء. فهل يجب أن أفضح نفسي وأخبر والدي الطفل الأول بما جرى؟ أفتوني، جزاكم الله خيرا. وبالنسبة للصديق الثاني ففي ذلك الوقت هو كان بالغا، فهل يجب علي أن أذهب وأطلب منه السماح؟ أم أن أستر نفسي، وأكثر من الاستغفار والدعاء.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فما فعلته يعتبر لواطا بالمعنى العام، ولا يعتبر من اللواط الموجب للحد. والواجب عليك التوبة، والندم، وصدق العزم على عدم العود لمثل هذا، وبالتوبة الصادقة يكفر الله الخطايا، فقد قال الله تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى {طـه:82}. وقال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.{الزمر:53}. وقال تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. { الأنعام:12}.

وفي الحديث القدسي: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن ـ وصححه الألباني.

وليس لك أن تفضح نفسك، ولا أن تخبر أحدا بما حصل لحديث : اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألمَّ بشيء منها فليستتر بستر الله ، فإن من أبدى لما صفحته نقم عليه كتاب الله. صححه الحاكم وابن السكن ، وقال الذهبي في المهذب :إسناده جيد، وصححه الألباني في صحيح الجامع.

وعن أبي هريرة قال : أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ من الناس، وهو في المسجد فناداه : يا رسول الله؛ إني زنيت - يريد نفسه - فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله ، فقال : يا رسول الله؛ إني زنيت، فأعرض عنه، فجاء لشق وجه النبي صلى الله عليه وسلم الذي أعرض عنه ، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أبك جنون ؟ قال : لا يا رسول الله ، فقال : فهل أحصنت ؟ قال : نعم يا رسول الله ، قال : اذهبوا به فارجموه . رواه البخاري ومسلم .

وقد جاء في بعض الروايات: أن رجلا من أسلم أتى أبا بكر فقال له : إن الآخر قد زنى -يعني نفسه- فقال : فتب إلى الله، واستتر بستر الله، ثم أتى عمر كذلك ... انظر فتح الباري ( 12/125 ) قال الحافظ ابن حجر : ويؤخذ من قضيته : أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى، ويستر نفسه، ولا يذكر ذلك لأحد؛ كما أشار به أبو بكر وعمر على ماعز . وأن من اطلع على ذلك يستر عليه بما ذكرنا ، ولا يفضحه ، ولا يرفعه إلى الإمام؛ كما قال صلى الله عليه وسلم في هذه القصة " لو سترته بثوبك لكان خيرا لك " ، وبهذا جزم الشافعي رضي الله عنه ، فقال : أحب لمن أصاب ذنبا فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب، واحتج بقصة ماعز مع أبي بكر وعمر . وفيه : أنه يستحب لمن وقع في معصية وندم أن يبادر إلى التوبة منها ، ولا يخبر بها أحدا ويستتر بستر الله ، وإن اتفق أنه أخبر أحدا : فيستحب أن يأمره بالتوبة وستر ذلك عن الناس، كما جرى لماعز مع أبي بكر ثم عمر . انتهى

والله أعلم.