حكم تفريغ محادثات قيل لأصحابها لن يسمعها إلا من سجلها لهم

أعمل في تفريغ الملفات الصوتية، وهناك مجموعة أشرطة طلب مني تفريغها، وهي عبارة عن مقابلات مع بعض الأشخاص، يقوم بها باحث، ضمن إطار بحث معين. المشكلة أنه ربما لا يعلم الأشخاص الذين تجرى معهم المقابلات، أن هناك آخرين سيسمعون كلامهم، حيث إنني سمعت الباحث يقول لأحد العينات: (الضيف في المقابلة) إنها تسجل، ولكن لن يستمع لها أحد سواي! مع العلم أنها مقابلات صوتية فقط، والضيوف على علم بأنها تسجل وستفرغ، ولا يتم ذكر أسماء الأشخاص في أي من هذه الأشرطة، ماعدا الاسم الأول فقط ،أحياناً يتم ذكره. والأسئلة في المقابلات تكون حول ماضيهم وحاضرهم، وتطلعاتهم للمستقبل، وآرائهم حول بعض الأمور العامة. فهل يجوز لي العمل في تفريغ هذه الأشرطة؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فإن من القواعد المقررة في الشرع، أن الأصل في الأشياء جميعها هو الحل والإباحة.

قال ابن تيمية: لست أعلم خلاف أحد من العلماء السالفين، في أن ما لم يجئ دليل بتحريمه، فهو مطلق غير محجور. وقد نص على ذلك كثير ممن تكلم في أصول الفقه وفروعه، وأحسب بعضهم ذكر في ذلك الإجماع يقينا، أو ظنا كاليقين. اهـ.

ولا يخرج من هذا الأصل إلا بحجة.
ولم يتبين من سؤالك ما يوجب تحريم العمل، وخروجه عن أصل الإباحة، وما ذكرته بقولك: (الضيوف على علم بأنها تسجل وستفرغ، ولا يتم ذكر أسماء الأشخاص في أي من هذه الأشرطة، ماعدا الاسم الأول فقط أحياناً يتم ذكره) يبين أن عملك لا إشكال فيه.
لكن لو تبين لك أن أحد الضيوف يمنع من سماع المفرغ للحوار مطلقا، ولو لم يعلم المفرغ بشخصه؛ ففي هذه الحالة، يظهر أنه لا يجوز لك سماع حواره، إذ قد يدخل ذلك فيما جاء في الوعيد لمن استمع حديث قوم وهم له كارهون.

جاء في غذاء الألباب شرح منظومة الآداب:
وأن يجلس الإنسان عند محدث ... بسر وقيل احظر وإن يأذن اقعد

 (و) يكره (أن يجلس الإنسان) أي جلوسه، (عند محدث) لغيره (بحديث) (سر) لم يدخلاه، أو يدخلوه إن كانوا أكثر من اثنين في حديثهما، أو حديثهم. قال في الرعاية: وأن لا يدخل أحد في سر قوم لم يدخلوه فيه، والجلوس والإصغاء إلى من يتحدث سرا بدون إذنه (وقيل احظر) أي امنع منع تحريم لا كراهة، لقوله عليه الصلاة والسلام، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- «من تحلم بحلم لم يره، كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، صب في أذنيه الآنك، ومن صور صورة، عذب، وكلف أن ينفخ فيه الروح، وليس بنافخ» رواه البخاري وغيره. والآنك بمد الهمزة، وضم النون، هو الرصاص المذاب. وروى الإمام أحمد في المسند عن سعيد المقبري قال: رأيت ابن عمر يناجي رجلا، فدخل رجل بينهما، فضرب صدره، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا تناجى اثنان، فلا يدخل بينهما الثالث إلا بإذنهما» . وبالكراهة جزم صاحب المجرد، والفصول.

وعبارة الآداب الكبرى: ولا يجوز الاستماع إلى كلام قوم يتشاورون، ويجب حفظ سر من يلتفت في حديثه حذرا من إشاعته؛ لأنه كالمستودع لحديثه. انتهى. (وإن يأذن) المحدث لغيره، أو كل منهما أو منهم (اقعد) أمر إباحة من القعود، لأن الحق له أو لهم، ولمفهوم حديث: «لا يدخل بينهما الثالث إلا بإذنهما» وحديث البخاري: «ومن استمع حديث قوم وهم له كارهون» نعم، إن علم أو ظن أنه إنما أذن له حياء، لم يقعد عملا بقرائن الأحوال. اهـ. باختصار.
والله أعلم.