حكم استغسال أكثر من شخص إذا لم يعلم العائن بذاته

هل يأخذ الإنسان المصاب بعين وضوء من كل من كان على علم بقدراته، أو كان يعجب بأفعاله؟ أم لا يفعل ذلك؛ لأنه لا يعلم تحديدا من أصابه بعين، وقد تكون أصابته أكثر من عين؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد: 

فيشرع أن يستغسل العائن، بأن يؤخذ وضوؤه ويصب على المعين، على ما بيناه في الفتوى رقم: 110802، ولكن هذا إذا علم على وجه اليقين، أو الظن الغالب، من هو الشخص الذي أصاب بعينه.

ويدل لهذا تحري النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر وتثبته، وسؤال الصحابة هل تتهمون أحدا؟ ثم دعاه حتى تثبت من الأمر. 

ففي موطأ الإمام مالك، وصحيح ابن حبان وغيرهما، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه قال: رأى عامر بن ربيعة، سهل بن حنيف يغتسل، فقال: ما رأيت كاليوم، ولا جلد مخبأة، فلبط سهل، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله هل لك في سهل بن حنيف، والله ما يرفع رأسه، فقال: هل تتهمون له أحدا؟ قالوا: نتهم عامر بن ربيعة، قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عامرا فتغيظ عليه، وقال: علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركت، اغتسل له، فغسل عامر وجهه ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح، ثم صب عليه، فراح سهل مع الناس ليس به بأس. انتهى.
وفي شرح صحيح البخاري لابن بطال: روى مالك عن ابن شهاب، عن أبي أمامة، بن سهل بن حنيف، أنه قال: (رأى عامر بن ربيعة سهل بن حنيف يغتسل، فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأ، فلبط سهل، فأخبر النبى عليه السلام بمرضه، فقال: هل تتهمون أحدا؟ قالوا: نتهم عامر بن ربيعة، فدعا عليه السلام عامرا فتغيظ عليه، وقال: علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركت، اغتسل له. فغسل عامر وجهه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح، ثم صب عليه، فراح سهل مع الناس ليس به بأس) . فيه من الفقه أنه إذا عرف العائن، أنه يقضى عليه بالوضوء؛ لأمر النبى عليه السلام بذلك، وأنها نشرة ينتفع بها. اهـ.

وفي شرح الزرقاني على الموطأ: وفي الحديث: أن العائن إذا عرف، يقضى عليه بالاغتسال، وأنه من النشرة النافعة، وأن العين تكون مع الإعجاب بغير حسد، ولو من الرجل المحب، ومن الرجل الصالح، وأن الذي يعجبه الشيء يبادر إلى الدعاء لمن أعجبه بالبركة، ويكون ذلك رقية منه، وأن الماء المستعمل طاهر، وأن الإصابة بالعين قد تقتل. اهـ.

وفي مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: فقال: هل تتهمون) بتشديد الفوقية، أي تظنون (له): أي لإصابة عينه (أحدا؟ فقالوا: نتهم عامر بن ربيعة. قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عامرا) أي فطلبه فجاءه (فتغلظ عليه) أي كلمه بكلام غليظ (وقال: علام): أي على ما، يعني على أي شيء، أو لِمَ (يقتل أحدكم أخاه؟) : فيه دلالة على أن للعائن اختيارا ما في الإصابة، أو في دفعها، ويدل على الثاني قوله: (ألا): بتشديد اللام؛ للتنديم (بركت؟) بتشديد الراء أي: هلا قلت: بارك الله عليك، حتى لا تؤثر فيه العين، وفي معناه قوله تعالى: {ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله} [الكهف: 39]. وقال الطيبي: قوله: " ألا بركت " للتحضيض، أي: هلا دعوت له بالبركة، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب؛ لأن الأصل أن يقال: علام تقتل؟ كأنه ما التفت إليه، وعم الخطاب أولا، ثم رجع إليه تأنيبا وتوبيخا (اغتسل له). اهـ.

وأما عند الشك في الإصابة بالعين أصلا، أو الشك في العائن من هو ولا قرينة يترجح بها كون فلان بعينه هو الذي أصاب بالعين، فالذي ينبغي حينئذ عدم تتبع الشكوك والاسترسال معها، ويقتصر الشخص على استعمال الرقى النافعة من الكتاب والسنة، ويتوكل على الله تعالى، ويحسن ظنه به، ويفوض أمره إليه، مجتهدا في دعائه بأن يزيل عنه السوء والمكروه.

وراجع الفتوى رقم: 326758،  والفتوى رقم:250876، والفتوى رقم: 132154، ولتنظر أيضا للفائدة، الفتوى رقم: 147835.

والله أعلم.