الوعظ بالسخرية والتهكم سبب لتنفير الناس لا لهدايتهم

في بلادنا تونس، قام أحد الأئمة بمحاضرة، وأثناء كلامه، ضرب بعض الأمثلة يسخر فيها من بعض الشباب فقال: يقول أحدهم: لن أركب في حافلات النقل العمومي؛ لأن فيها اختلاطا وفتنا. فعلق هذا الإمام بطريقة ساخرة، فقال: اركب على حمار. ثم أضاف بنفس الطريقة: لعلك تريد أن ننشئ حافلات للنساء، وحافلات للرجال. ثم واصل بتهكم وسخرية فقال: أحدهم يقول: لن أدخل الأسواق. لماذا؟ يقول: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال عنها بأنها شر بقاع الأرض. مع العلم أن الشخص الذي يتكلم عنه، شخص ألزم نفسه بهذا، ولم يطعن في أحد ركب في الحافلة المختلطة، أو دخل الأسواق، ولكنه لكثرة الفتن أراد أن يتقي الله، ويفر بدينه من الفتن. فبالله عليكم هذا يُستهزأُ به في المسجد، ويضحك عليه الناس! فأرجو منكم تعليقا على هذه الحادثة. وجزاكم الله خيرا.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فبغض النظر عن حكم ركوب الحافلات المختلطة، أو دخول الأسواق؛ فإن السخرية والتهكم لا تدخل في سبل التعليم النافعة، ولا التربية الناجعة، وفي كثير من الأحيان تأتي بنتائج عكسية وسلبية. وغير ذلك من الطرق والأساليب في مناقشة الأفكار، ومدارسة القضايا، أولى بالأئمة والخطباء، ومن يقومون في مقام التربية والتعليم، والوعظ والإرشاد. وحسبنا في ذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات: 11].

 قال السعدي: {لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ} بكل كلام، وقول، وفعل دال على تحقير الأخ المسلم، فإن ذلك حرام لا يجوز، وهو دال على إعجاب الساخر بنفسه، وعسى أن يكون المسخور به خيرًا من الساخر، كما هو الغالب والواقع، فإن السخرية لا تقع إلا من قلب ممتلئ من مساوئ الأخلاق، متحل بكل خلق ذميم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بحسب امرئ من الشر، أن يحقر أخاه المسلم". ثم قال: {وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} أي: لا يعب بعضكم على بعض، واللمز: بالقول، والهمز: بالفعل، وكلاهما منهي عنه حرام، متوعد عليه بالنار. كما قال تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} الآية، وسمي الأخ المؤمن نفسًا لأخيه؛ لأن المؤمنين ينبغي أن يكون هكذا حالهم كالجسد الواحد، ولأنه إذا همز غيره، أوجب للغير أن يهمزه، فيكون هو المتسبب لذلك. {وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ} أي: لا يعير أحدكم أخاه، ويلقبه بلقب ذم يكره أن يطلق عليه .. {بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ} أي: بئسما تبدلتم عن الإيمان، والعمل بشرائعه، وما تقتضيه، بالإعراض عن أوامره ونواهيه، باسم الفسوق والعصيان، الذي هو التنابز بالألقاب. {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} فهذا هو الواجب على العبد، أن يتوب إلى الله تعالى، ويخرج من حق أخيه المسلم، باستحلاله، والاستغفار، والمدح له مقابلة على ذمه. اهـ.
وأما حكم ركوب المواصلات المختلطة، فراجع فيه الفتوى رقم: 242083.

وأما حكم ارتياد الأسواق التي لا تخلو من منكرات، فراجع فيه الفتويين: 41570، 130107.

والله أعلم.