موقف العامي من المسائل الخلافية

بالنسبة للنمص: أريد أن أجيز ما سمعته عن الحكم الشرعي، فالمسألة فيها خلاف: المالكية: يجوز مطلقًا، الشافعية: بإذن الزوج، الحنفية: بفعل الزوج، الحنابلة: حرام، وهناك فتاوى في عصرنا منها ما يجيز، ومنها ما يحرم، هذا بالنسبة للنمص ـ شعر الحاجبين ـ وكذلك تشقير الحاجبين، فالبعض يجيزه... وكذلك الشعر الذي بين الحاجبين، ونمص الحاجبين، هذه فتاوى من دعاة وعلماء في عصرنا، فما موقفي من هذا الأمر؟ علمًا أنني أميل إلى قول الجمهور في هذه المسألة؛ لأنني أثق بعلمهم، وإذا عملت بشكل معتدل وأخذت شيئًا يسيرًا من الحاجبين، فما هو الحكم؟ الثاني: إذا وضعت المرأة (قراص تثبت به الشعر) مصنوع من البلاستيك، علمًا أن هناك أحجامًا منها الصغير والكبير، فهل يعتبر هذا داخلًا ضمن (كأسنمة البخت المائلة)؟ وهل وضع الشعر أو القراص الذي نثبت به الشعر خلف الرأس يدخل في هذا؟ وما الضابط في هذا الأمر؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فقد أشبعنا الكلام عن النمص وأحكامه وما وقع فيه من خلاف في فتاوى عديدة جدًّا، فراجع منها الفتوى رقم: 175407، والفتاوى المرتبطة بها.

وأما عن موقفك من هذا الخلاف، ومن غيره من مسائل النزاع بين العلماء: فاعلم أنه قد تباينت اتجاهات العلماء تبيانًا كبيرًا فيما يلزم العامي الأخذ به إذا اختلفت عليه أقوال العلماء، جاء في التحبير للمرداوي: إذا اختلف عليه فتيا مفتيين: تخير في الأخذ، على الصحيح، اختاره القاضي، والمجد، وأبو الخطاب، وذكره ظاهر كلام أحمد، فإنه سئل عن مسألة في الطلاق؟ فقال: إن فعل حنث، فقال السائل: إن أفتاني إنسان لا أحنث؟ قال: تعرف حلقة المدنيين؟ قلت: فإن أفتوني حل؟ قال: نعم، وقيل: يأخذ بقول الأفضل علمًا ودينًا، فإن استويا تخير، هذا اختيار الشيخ موفق الدين في الروضة، لا التخيير، كما ذكره ابن مفلح في أصوله، لكنه علل التخيير، وظاهره أنه مال إليه، وقيل: يأخذ بقول الأغلظ والأثقل، ذكره ابن البنا

وقيل: يأخذ بالأخف، اختاره عبد الجبار، وقيل: يأخذ بأرجحهما دليلًا، ذكره ابن البنا أيضًا، وينبغي أن يكون هذا هو الصحيح، قال في أعلام الموقعين: يجب عليه أن يتحرى ويبحث عن الراجح بحسبه، وهو أرجح المذاهب السبعة.  انتهى.

وقيل: يسأل مفتيا آخر، قال الطوفي، وغيره: ويحتمل أن يسقطا ويرجع إلى غيرهما إن وجد، وإلا فإلى ما قبل السمع. اهـ.

ويقول العلامة ابن عثيمين -رحمه الله-: مسائل العلم يجب على الإنسان أن يتبع من يرى أنه أقرب إلى الصواب، إما لغزارة علمه، وإما لثقته، وأمانته، ودينه، فإن لم يعلم أيهما أرجح في ذلك، فقد قال بعض أهل العلم إنه يخير: إن شاء أخذ بقول هذا، وإن شاء أخذ بقول هذا، وقال بعض العلماء: يأخذ بما هو أحوط، أي بالأشد احتياطًا وإبراءً للذمة، وقال بعض العلماء: يأخذ بما هو أيسر؛ لأن ذلك أوفق للشريعة؛ إذ أن الدين الإسلامي يسر، كما قال الله تبارك تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ ـ وكما قال تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ـ وكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن الدين يسر ـ وكما قال وهو يبعث البعوث: يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ـ أي أنه إذا اختلفت آراء العلماء عندك وليس عندك ترجيح، فإنك تأخذ بالأيسر لهذه الأدلة، ولأن الأصل براءة الذمة، ولو ألزمنا الإنسان بالأشد للزم من ذلك إشغال ذمته، والأصل عدم ذلك، وهذا القول أرجح عندي أي أن العلماء إذا اختلفوا على قولين، وتكافأت الأدلة عندك في ترجيح أحد القولين، فإنك تأخذ بالأيسر منهما، وهذا أعني القول بالأخذ بالأيسر فيما يتعلق بنفس الإنسان، أما إذا كان يترتب على ذلك مفسدة، فإنه يمتنع من إظهار ذلك وإعلانه... وعلى هذا؛ فنقول: القول الصحيح أن نأخذ بالأيسر ما لم يتضمن ذلك مفسدة، فإن تضمن ذلك مفسدة، فليأخذ بالأيسر في حق نفسه فقط. اهـ.

وراجع لمزيد بيان وتفصيل فيما يلزم العامي عند اختلاف العلماء الفتوى رقم: 170931، وإحالاتها.

ونعتذر عن إجابة الثاني، لأننا بيّنّا في خانة إدخال الأسئلة أنه لا يسمح إلا بإرسال سؤال واحد فقط في المساحة المعدة لذلك، وأن الرسالة التي تحوي أكثر من سؤال سيتم الإجابة عن الأول منها، وإهمال بقية الأسئلة.

والله أعلم.