قدم الى لبنان في الاسبوع الماضي القس النيوزلندي مايكل لابسلي وذلك لاطلاق النسخة العربية لكتابه "شفاء الذكريات: من مناضل لاجل الحرية الى شاف"، وهو الكتاب الذي اصدره مع صديقه الاب ستيفن كاراكشيان ، والذي يتحدث فيه عن تجربته النضالية في جنوب افريقيا ضد النظام العنصري والتي ادت الى قيام مخابرات هذا النظام بارسال طرد بريدي مفخخ له انفجر بين يديه مما افقده احدى عينيه وقطع يديه ، لكنه رغم ذلك استمر بالنضال مع رفيق دربه نيلسون مانديلا حتى سقوط النظام العنصري في جنوب افريقا ، ومن ثم تأسيسه لمؤسسة "شفاء الذكريات" والتي تتولى معالجة الاشخاص الذين يتعرضون للقمع والعنف والتعذيب في بلادهم.

وقد جرى اطلاق الكتاب الصادر عن دار المشرق، والذي ترجمه الى العربية الاب سامي حلاق اليسوعي (المقيم والناشط في مدينة حلب)، خلال احتفال اقيم في جامعة القديس يوسف في بيروت بمشاركة الاب مايكل لابسلي والاب ستيفن كاركشيان والاب حلاق ورئيس مركز الدراسات في الجامعة اليسوعية الاب صلاح ابي جرودة ووفد من جمعية لبنان الرسالة، وقد تحدث المشاركون عن اهمية تجربة الاب لابسلي وما يجري في عالمنا العربي من احداث وتطورات تتطلب الاستفادة من هذه التجربة من اجل الخلاص من الالام المتزايد ولمواجهة الاحقاد المتزايدة من جراء الحروب والصراعات.
ولا يمكن بكلمات قليلة تلخيص تجربة الاب لابسلي وكتابه عن كيفية شفاء الذكريات وعن المؤسسة التي انشأها لهذه الغاية وما قامت به من نشاطات متنوعة في العديد من دول العالم وهي تجربة مهمة تستحق المزيد من الابحاث والدراسات المعمقة.

لكن ما أود ان اطرحه بهذه المناسبة: هل يمكن شفاء الذكريات في عالمنا العربي والخلاص من المآسي والالام التي نواجهها اليوم في اكثر من دول عربية وخصوصا في سوريا والعراق واليمن والبحرين وليبيا والصومال وجنوب السودان، والتي سبق ان واجهناها نحن في لبنان ولا تزال اثارها قائمة الى اليوم؟.

ان تجربة الاب لابسلي في النضال والمواجهة من اجل مواجهة النظام العنصري في جنوب افريقيا مهمة جدا، كما ان تجربته في مواجهة الالام والمصاعب بعد اصابته في التفجير مهمة ايضا، كما ان ما يقوم به من خلال مؤسسته "شفاء الذكريات" يستحق التوقف عنده والاستفادة منه في مواجهة الالام والمصاعب ، لكنني ارى ان ازمتنا في العالم العربي اكبر من كل الالام والمصاعب، لان المشكلة لا تتعلق فقط بالعنف والتعذيب والالام الناتجة عن القتل والتهجير والحروب، لان الازمة ترتبط بشكل كامل بغياب الدولة ومؤسساتها وضياع الهوية والازمات العميقة للمجتمعات التي تعاني من العصبيات والقبليات والعشائرية وانتشار الفساد وغياب الحد الادنى من احترام الانسان ككائن بشري.

نحن اليوم امام ازمة عميقة لن تنتهي بنهاية الصراعات والحروب او القضاء على تنظيم داعش وما يشبهها من تنظيمات متطرفة، لاننا بحاجة الى اعادة بناء الاوطان والدول على اسس صحيحة واعادة تنظيم مجتماعتنا بشكل سليم، واعادة البحث عن العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع.

اننا اليوم نعيش في مجتمعات اقرب الى المجتمعات البدائية او الجاهلية وهي تشبه الغابات المتوحشة ولذا فالمسؤولية اكبر واكثر تعقيدا من مجرد شفاء من الذكريات، لكن مع ذلك فان تجربة الاب لابسلي تستحق التعرف عليها، وكتابه يستحق القراءة والاستفادة منه، لانه يعطينا الامل بالخلاص من الظلم في يوم ما.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"