الكتابة عن تونس تصطبغ بلون حزين.. وأزعم أني ممن يبحث عن نقطة ضوء شحيحة لأصنع منها قمرا لبلدي، ولكن الحزن يعدي. 

فكلّما وهِمْنا أملا فاجأتنا الطبقة السياسية بما يخيب الظن وننتكس إلى حزن عميم. الإرهاب لم ينته والأمن لم يستتب، والاقتصاد يتراجع، والناس في ضنك شديد جراء الفساد المستشري في كل مفاصل الإدارة، وفي كل معاملة يومية. لذلك فإن البحث عن بداية لتوصيف الحزن تتحول في ذاتها إلى سبب إضافي له.

الإرهاب يضرب مجددا

أفاق التونسيون صباح الأحد الثاني عشر من مارس على خبر استشهاد عون الحرس الوطني مظفر بن علي بمدينة قبلي في الجنوب. 

عملية إرهابية أخرى ارتقى فيها الشهيد في جوف الليل على حدود الوطن وترك ابنا في بطن أمه سيولد يتيما بلقب ابن شهيد، لكن تمجيد الشهداء لم ينه الإرهاب. 

إنه يتجدد ليعلن عدم كفاءة النظام السياسي في الإحاطة به، واستباقه، وتأمين البلد. يقع العبء على أعوان معزولين يكافحون في وضعية كومنداس المهمات المستحيلة. 

بل إن الأمر يزداد سوءا، فلم يعد الإعلام يهتم بالشهداء أو يرثيهم أو يفتح لأسرهم بلاتوهات التلفزة لقد سقطت حكومة الترويكا إذن لا داعي للحديث عن الإرهاب.

هذا مفتاح فهم الحزن المسيطر. أدوات الإعلام الموجّه أقامت الدنيا، ولم تقعدها على قتل تمساح في الحديقة العمومية رجمه أطفال متشرّدون بحجر خوفا منه، أو طمعا في لحمه، يبيعونه للسكارى في حديقة صارت غابة موحشة لقلة العناية بها. 

ما كتب عن التمساح المسكين يفوق آلاف الصفحات مما كتب عن الشهيد وعن الإرهاب في الضربة الأخيرة. حزن تونس يأتي من التلفزات عامها وخاصها. 

تلفزات تصرف الناس عن قضاياهم الحارقة وتفتح بوابات تهميش الوعي وبث اليأس وتجعل أكثر المتفائلين يحن إلى زمن الدكتاتورية الغاشمة. 

تونس حزينة لأنها لم تحرر الإعلام فهي تكابده كطاعون مسلط على وعيها بنفسها وبما حولها وهذه معركة أشد وطأة من الإرهاب ولا أمل في ربحها ولو بمال كثير.

مؤشرات الاقتصاد في نزول 

التصنيفات الائتمانية للبلد تنزل إلى الحضيض ونسب النّمو تنزل تحت واحد في المية والحكومة تعلن ذلك بوقاحة ولا تقدم حلولا لمعضلات التنمية والتشغيل. بل تهتم بمعارك الشقوق داخل حزب السلطة. 

والوزراء يقنصون فرص الظهور لإثبات الولاء لابن الرئيس لاستدامة بقائهم في مناصبهم، لأنها صارت هدفا في ذاتها، بينما ينشط وزراء آخرون في تدبير العقود الباطلة لأصدقائهم أو لإجبار منظوريهم في الإدارة على الانخراط في أحزابهم مقابل التمكين لهم في الإدارة تمهيدا لمزيد من التمتع بالسلطة في فترات قادمة، لا يشكون في الوصول إليها برغم الإحباط العام المسيطر على الشباب بعد الخذلان الكبير لانتخابات 2014 التي أعادت لهم منظومة حكم بن علي بكل رجالاتها وحيلها القائمة على احتقار مطالب التغيير. 

الأحزاب هي السبب الآخر للحزن المسيطر على النفوس. النخبة السياسية ليست أقل بؤسا من نخبة الإعلام، بل إنهما تتبادلان الأدوار وتبثان الروح العدمية ذاتها. كأنه تحالف بين أحزاب المنظومة وإعلامها في الإجهاز على أمل ولد ليلة 17 ديسمبر 2010 في أن تكون تونس أفضل حالا بعد بن علي وحزبه ونظامه.
ثقافة البؤس والإقصاء تواصل إغلاق الأفق.

لا شيء في الساحة الثقافية يتحرك نحو التغيير. الوجوه ذاتها والسياسات ذاتها توزع الامتيازات على شلة الأصحاب، التي تسكن في عروق الوزارة كالسرطان. 

معركة معرض الكتاب تعيد الوجوه ذاتها إلى موقع القرار، حيث توزّع غنائم صغيرة وتافهة، وإقصاء كل الفاعلين الثقافيين غير المصنفين في حوزة اليسار الثقافي. 

والدعم الثقافي بلجان مختارة يحابي أصحابه القدامى ولا يسمح لغيرهم بنيل شروى نقير من التمويل العمومي للثقافة. السينما ذاتها والمسرح ذاته والأغاني مكررة على ايقاع باهت. 

وترويج خرافة التفوق الثقافي التونسي على العرب مما لا نرى له سببا غير التعمية ومواصلة دس الرأس في تراب البذاءة الفرنكوفونية المستوردة من هوامش باريس الفقيرة ثقافيا في عالم منفتح ومعولم.

الطبقة السياسة لا تنشغل بالثقافة، بل تترك الهامش لشلة الأصحاب تغنم لتسكت وتستديم الفقر الثقافي والبرلمان المنتخب يغفل كل مبادرة ثقافية كأن الثقافة ليست من منوال التغيير أو كأن آخر هم السياسة تثقيف الناس وكيف لهم وهم في صراع يومي من أجل تدبير الخدمات لمنظوري أحزابهم في الجهات وبعضهم يعيش تحت التهديد بالركل إذا لم ينفع زيدا أو عمرا بخدمة خارج القانون. وتصريحاتهم تكفي دليلا.

النقابات تعيش معاركها الحزبية

معركة مفتوحة ضد وزير التربية لإجبار الحكومة على إقالته بدعوى الإضرار بالعملية التربوية والوزير يركب رأسه ويستفز رجال المهنة عامدا ويعفّن السنة الدراسية فيهدد كأن الوزارة ميراث جده. 

معركة مفتوحة على سنة بيضاء (بلا امتحانات ولا نتائج). تعرف الحكومة أن إقالة وزير تحت الضغط النقابي تسقطها نهائيا والنقابة تستشرس في طلبها والتلاميذ والأسر حائرون حول مصيرهم والنقابة لا تتراجع.

وليت المعركة كما تقول النقابات حول إصلاح التعليم ولكن ورغم تعاطفي معهم ضد الوزير غير الأمين على التربية فإن المعركة تخفي معركة سياسية لا لبس فيها. التيار السياسي الذي يقود المعركة عبر نقابتي التعليم الابتدائي والثانوي يريد أن يسمع صوته في الساحة السياسية ويحصل مكاسب حزبية للمواسم القادمة إذ يضع في رصيده السياسي إسقاط وزير. 

ليس الأمر إصلاح التربية فهذا المطلب لم يكن على لائحة المطالب عند بدء التحركات منذ أول السنة الدراسية ولكنه رُكِّب على مطالب مادية قطاعية ثم اختفت المطالب القطاعية وبقي المطلب السياسي.

كيف نتدبر لحظات فرح في عالم قاتم؟

ليس لدي وصفة جاهزة لأحد. هناك لحظة وعي بخطورة اللحظة غابت عن الجميع. بين من يهدد بأن إسقاط الحكومة في أقل من سنة من عمرها  يعني الدخول في فوضى بلا نهاية وبين من يركز على الفشل وضرورة التغيير مهما كانت النتائج الآنية. 

لكن دعاة التغيير ليس لديهم خطة ولا هم جاهزون إلا لاحتمال الفوضى فلا أحزابهم المجهرية جاهزة لانتخابات قريبة ولا بدائلهم واضحة لجمهور يقف على الحياد يمكن أن يناصرهم ضد الوضع الراهن. 

ويعرفون جيدا وبأبسط التحاليل أنه في صورة إسقاط نتائج انتخابات 2014 (الحكومة والرئيس والبرلمان) فإن أي انتخابات قادمة مهما كانت نسبة المشاركة ستعيد الوضع إلى ما هو عليه الآن حزبان قويان يعودان بالصندوق أكثر شرعية بحكم أن إسقاطهما لم ينتج تغييرا فيصيران كالقدر المحتوم.

نحن إذن في وضع المجبر على الدواء المر الحالي مع شحنة إحباط أعلى ويأس عام. لا تجدي فيها المقاطعة ولا تقوم فيها ثورة منظمة تمسح نتائج انتخابات 2014 وربما 2011 أيضا.

الساحة تكرر نفسها والأحزاب تسقينا من نفس الكأس والنقابات تعيش بؤسها النضالي خارج اللحظة. والمثقفون بين مغيب وطماع. والاقتصاد ينهار والإرهاب يتربص.

من يغلق البلد عند خروج المواطن الأخير؟ لا أحد فالحدود مفتوحة ويكفي أن نتذكر مشهدا وحيدا لم يعشه بلد قبلنا طاقم الطائرة التونسية المهددة بالإفلاس يتصارع داخل قمرة القيادة لأن ربان الطائرة يستنكف أن يلبس نفس الزي مع التقني المكلف بصيانة الطائرة لأن وحدة الزي مع الميكانيكي تحطّ من هيبة الطيار في مطارات العالم فلا يحظى بنظرة خاصة كطيار.

الأطفال المدللون لدولة بن علي يغلقون البلد في وجوه أهله ويغلقون المستقبل في وجه البلد فكيف يمكننا أن نحب تونس يا محمود درويش؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"