عندما شاهدت، على شاشة قناة "مكملين"، إعادة عرض الفيلم الوثائقي الذي يروي قصة حياة الشيخ عبد الحميد كشك، سألت عن المناسبة، فقيل إن 10 مارس هو يوم مولد الرجل، الذي أسس لمدرسة فريدة وغير مسبوقة في الخطابة، وهي مدرسة لها مقلدون، وإن افتقدوا لروح من يقلدونه!

العمل المعروض ينتمي إلى الفصيلة الأسوأ في الأفلام الوثائقية، وينبغي أن يدرس عند ضرب المثل بالفيلم الرديء؛ فهو شبيه باستطلاعات الرأي التي تنشر في الصحف على أنها تحقيقات صحفية، فلم يبذل القائمون عليه أي جهد يُذكر في إعداد الفيلم، حيث يبدو أنهم لم يطالعوا قصة حياة الشيخ، كما كتبها بنفسه، والتي صدرت عن دار الاعتصام في سنة 1984، وإذا كنا نعلم أنه أوصى أولادهم بالابتعاد عن الإعلام، فمثلي لا يتفهم لماذا لم يتم إجراء مقابلات مع جيرانه مثلاً، أو بأشخاص ارتبطوا به، ومنهم مثلاً الذي يقوم بالقراءة له ويملي عليه الشيخ مقالاته وكتبه، كما أن مثلي لا يعرف سبباً في عدم تصوير منزله الريفي، ولقاء "صحبته" هناك، وفي سنواته الأخيرة كان دائم السفر إلى مسقط رأسه بمحافظة البحيرة!

واحد فقط، من الذين عرفوا الشيخ عن قرب هو الذي جرى الاستعانة به في هذا العمل المتواضع، ثم ضيوف لم يعاصروا الشيخ إلا مستمعين له عبر "شرائط الكاسيت"، إذ كان أول داعية يتم تسجيل خطبه، بظهور أجهزة التسجيل وبيعها، وهو ما دفع الكاتب "أنيس منصور" إلى وصفه بـ"كشك فون" كما كان يطلق على أسماء الشركات المتخصصة في هذا المجال، "عايدة فون" وغيرها، فحرض عليه مصلحة الضرائب التي استدعت الشيخ كشك لحسابه على المبيعات قبل أن تقف على أنه ليس مسؤولا عنها ولا يتقاضى عن ذلك مليماً واحداً، وقد رد الشيخ على "أنيس منصور" التحية بأسوأ منها ووصفه بأنه "إبليس مسطول"، وقال إنه "مجرد صحفي لا راح ولا جه"!

لولا المشاهد التمثيلية في الفيلم، لجاز القول إنه جرى "سلقه" في حجرة، تم استدعاء المتحدثين للتصوير فيها، ومن بينهم الناقد السينمائي طارق الشناوي، والصحفي الشاب محمد الدسوقي رشدي، بدون مبرر موضوعي لاستضافتهما، وكان يمكن للإثارة أن تأخذ مجراه بالاستعانة بالممثلين الذين هاجمهم الشيخ، بدلاً من حشر ناقد سينمائي في هذا الفيلم بدون ضرورة فنية، وقد هاجم ممثلين لا يزالون على قيد الحياة ومن بينهم نبيلة عبيد، عندما عرضت نفسها للزواج فتقدم لها في بضع أيام أكثر من ثلاثمائة عريس من بينهم من يشغل وظيفة عمدة، وعلق الشيخ على طلبه: "خيبك الله يا حضرة العمدة"!

لا بأس، فكثير من الأفلام الوثائقية في العشر سنوات الأخيرة، تنتحل صفة "الفيلم الوثائقي"، ودافعي للكتابة اليوم، هو ذكرى مولد الشيخ وليس الكتابة عن هبوط مستوى الأفلام الوثائقية!

فالشيخ عبد الحميد كشك، ليس فقط نمطا فريدا وغير مسبوق في الخطابة، فحنجرته قوية، وطبقة صوته غير مسبوقة، لكن بالإضافة إلى هذا فلعله أول من ابتدع عملية التفاعل بين الخطيب والمصلين بالشكل الذي كان يفعله، فيبدأ بطرح سؤاله: من الواحد؟ فيحتشد الحاضرون بالرد: الله؟.. فيعيد طرح السؤال بوضع "من"، قبل العديد من أسماء الله الحسنى: من الماجد؟ .. من الواجد؟.. من القادر؟.. من الباسط؟، وهكذا، ويرتفع صوته إلى منطقة جواب الجواب، عندئذ يسألهم من جديد بصوت لاهث: من الواحد؟ من الواحد؟.. ثلاث مرات أو أكثر وعندما يصل الاندماج بينه وبين الجماهير، إلى حالة السمو الروحي، يدفع بطلب مشفوعاً بحالة التجلي هذه: وحدوا الواحد!

وبعد ذلك، يحدث اندماج آخر عنده يقول: إذا ضاقت عليك الدنيا فقل: يا الله.. ويكون الرد: يا الله.. إذا ظلمت فقل: يا الله ، وهكذا، وهو في الخطبة غيره في الدرس، فالخطبة هو حاد، وغاضب، ومزلزل، وفي الدرس يتحدث بالعامية، ويطلق النكات، ويكشف عن خفة ظل، يتمتع بها الأزهريون حتى ظن البعض أن النكتة مادة تدرس في الأزهر، لكن تميز الشيخ على أقرانه الأزهريين بقدرته استدعاء هذه الروح في دروسه الدينية في حين أن غيره حديثه الفكاهي في المجالس الخاصة. وكان الشيخ كشك، يتفاعل مع جمهوره في الدرس لكن بطريقة أخرى فهو يقول للمستمع وبلغة أولاد البلد: صلى على الحبيب قلبك يطيب. مثلاً، فتكون الاستجابة جماعية، فلا تترك مجالا لانصراف الذهن إلى خارج المسجد، وبطريقة وصفها الشيخ صلاح أبو إسماعيل لي بأنها سوقية لا تروق له، وعندما سألته عن ما يقصده بـ"السوقية" قال كأن يقول "يا شيخ الأزهر". ونطق ذلك بطريقة فيها مد بين الحروف، وقد كان الشيخ أبو إسماعيل يمتلك روحاً فكاهية، وقدرة على إنتاج النكات فلم يكن مجرد مستهلك لها، لكنه لم يكن يصطحب هذه الروح معه في دروسه وخطبه وأدائه البرلماني الذي تميزه الصرامة والجدية!

والناس في ما يعشقون مذاهب، فطريقة الشيخ كشك، مكنته من أن يصبح ملكاً متوجاً على عرش الخطابة، ودفعت للتسابق في تسجيل خطبه ودروسه ، لأن الناس تريد أن تستمع له، ولم تكن شعبيته هو لنقده للأوضاع السياسية والاجتماعية فقط، فقد كان الشيخ أحمد المحلاوي في هذه المرحلة هو الأكثر اهتماماً بالسياسة حتى يبدو أنه زعيم سياسي أخطأ طريقه في العمل في مهنة الوعظ والإرشاد، ولم يشتهر المحلاوي خارج دائرة من كانوا يصلون خلفه الجمعة بمسجد القائد إبراهيم بالإسكندرية، في حين أن صوت الشيخ كشك طاف أرجاء المعمورة، لقدرته على الخطابة وجذب الناس وبطريقته التي وصفها الشيخ صلاح أبو إسماعيل بـ "السوقية"، وكنت من جيل لم ير الشيخ كشك لكنه تأثر به، فأفزعني هذا الوصف، وإن كان الشيخ صلاح أبو اسماعيل طلب الاحتكام إلى للشيخ كشك عندما عورض في تكفيره الإمام الخوميني. فعندما عورض الشيخ صلاح في قوله: الخوميني كافر والله على ما أقول شهيد"، ولهذا قصة طويلة، قال: إذن نحتكم إلى العلماء، فعندما طُرح على "أبو إسماعيل" الشيخ "الغزالي" محكماً، قال: إنه عاطفي، سيقول إن الخوميني الذي افترش أرض الطائرة تواضعا وهو عائد من فرنسا إلى بلاده وثورة تهتف باسمه، لا يمكن أن يكون كافراً. فقيل له: وما رأيك في الشيخ كشك؟ هل تقبله محكماً؟ فقال: أوافق، فلما عُرض عليه الأمر قال الشيخ كشك: حجة الشيخ صلاح أي كلام!

لأن الرئيس السادات، هو ابن الريف المصري، بكل ما فيه من خصال جيدة وأخرى غير ذلك، ففي لحظة تجلي راقت له فكرة أن يقدم الإعلامي أحمد فراج الشيخ كشك للناس كما فعل مع الشيخ الشعراوي، لكن "فراج" قال إن طبيعة الشيخ كشك تغلب عليها لغة الخطابة، ولا يصلح للحوار الذي هو طبيعة البرنامج التلفزيوني كما الشيخ الشعراوي، لكن السادات غضب على الشيخ كشك، وروى في خطابه الشهير بعد إجراءات التحفظ على المعارضين في سبتمبر 1981، وكان الشيخ أحدهم، إن الشيخ كشك لم يكتف بإهاجة العامة في مصر ولكنه أهاج السودانيين ضد الرئيس النميري!

وقال إن النميري اشتكى له، عندما سأله هل تعرف الشيخ كشك؟ 

ليجيب السادات: أيوه أعرفه!

فيقول نميري: وهل يعرفني الشيخ كشك؟

فيرد السادات: لا أعرف يا أخي!

فقال السادات نقلا عن النميري لقد أشاع أنصاره في السودان أنه قادم لإلقاء محاضرة، فلما لم يأت، قال أنصاره، إن النميري منع الشيخ كشك من زيارة السودان، فقامت مظاهرات عارمة في الخرطوم!

ليعلق السادات على قول النميري بأن الشيخ كشك لم يعد خطراً على مصر ولكنه يهدد دول الجوار .. "كمان"!

هذه القصة، وأداء السادات التمثيلي وهو يرويها تجعلنا نعيد النظر في كثير من الروايات المنسوبة للرئيس الراحل!

في المقابلة الصحفية الوحيدة التي أجريتها مع الشيخ عبد الحميد كشك تعرضت لهذه الواقعة، وقال لي الشيخ إن ناشر كتبه "أحمد يحيى" صاحب "المكتب المصري الحديث" زاره في سجنه، وكان صديقاً للرئيس جعفر النميري فسأل الشيخ كشك ناشره: أرأيت كيف لصديقك النميري "يشي" بي عند السادات في أمر لم يحدث؟

لتكون المفاجأة، أن النميري نفسه قال لأحمد يحيي، أنه لم يقل أمراً كهذا للسادات، فلم تكن هناك ندوة للشيخ كشك، ولم تحدث مظاهرة أصلاً من أنصاره ضد الحكومة، والواقعة برمتها لم تحدث!

في مذكراته، يروي الشيخ كشك حكاية ربما تكون هى السبب في حنق السادات عليه إلى درجة أن يفتعل ضده هذه الراوية، وطرفها كان حياً يرزق وهو النميري:

فقد كان الشيخ كشك من الذين وجهت لهم رئاسة الجمهورية الدعوة للقاء السادات، في مناسبة لا أتذكرها، لكن الشيخ نسي أن يطلع على الدعوة حتى فوات موعدها!

عندما بدأ اللقاء سأل السادات وزير الأوقاف: هل وصلت الدعوة للشيخ كشك؟ فلما كانت إجابته بالإيجاب، قال له وهو يتميز غيظاً: ولكنه لم يأت. وبين الحين والآخر يعود ليقول للوزير: الشيخ كشك لم يأت إلى الآن! مما أوقع وزير الأوقاف في حرج بالغ، فسأل الشيخ بعد ذلك عن سبب عدم تلبيته الدعوة، وحكى له السبب، ليكون رد الوزير: ألا تعلم أننا نعيش في معية سيادة الرئيس، فيعلق الشيخ كشك: "إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين". 

في هذا اللقاء، وقع الحوار التاريخي بين السادات ومرشد جماعة الإخوان عمر التلمساني، عندما قاله السادات: اسحب دعواك يا عمر. فيقول له عمر التلمساني: لقد شكوتك لعادل لا يظلم!

لقد كان الشيخ كشك غير مسبوق في الكثير من أموره: فهو صاحب مدرسة في الخطابة، بدون مرجعية، وكان زاهداً في الدنيا التي جاءته على هيئة ترقيات وبعثات، فقال لها غري غيري.

فقد تمنى أن يقبض الله روحه ساجداً: وقد كان.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"