أعرف عائلة من بني سويف تنتمي للطبقة المتوسطة. غالبيتهم يحبون الزعيم الراحل جمال عبدالناصر. شاركوا في 30 يونيو بحماس. ابنهم وعمره نحو 40 عاما، رقص فرحا، عندما سقطت جماعة الإخوان. العائلة تحمست للرئيس عبدالفتاح السيسي، رغم أنهم يحبون حمدين صباحي أيضا. شيئا فشيئا بدأ الحماس يخفت ويتراجع. الشاب صار معارضا شرسا. رغم أنه ما يزال يعارض الإخوان أكثر. لكن الجديد أن الأب بدأ يشاهد قنوات الإخوان فى تركيا، ورأيه أنها لا تختلف كثيرا عن القنوات التي تهلل للحكومة حقا أو باطلا، بل ويرى أن الجماعة فى أسوأ أحوالها الآن.

عندما سألت الشاب: ولماذا حدث ذلك؟ أجاب: هو يريد أن يشاهد شيئا مختلفا، حتى لو كان يدرك أنهم كذابون في معظم ما يقولونه.

هذا نموذج مقلق، لكن النموذج الأكثر قلقا ودهشة، أنني كنت أتحدث مع صديق قبطي ويساري في الوقت نفسه، فقلت له حالة أسرة صديقي، ففوجئت بأنه يضحك بصوت مرتفع وقال لي: أنا أعرف مسيحيين صاروا يشاهدون بعض هذه القنوات، لأنهم أيضا يريدون أن يسمعوا صوتا مختلفا.

في حالة النموذج الأول من بني سويف، كان الأب يحب مشاهدة إبراهيم عيسى، وعندما تم وقف برنامجه قبل أسابيع لم يجد بديلا، وهنا كانت اللحظة الأصعب، وهي مشاهدة بعض قنوات الإخوان، لأنها من وجهة نظره قد توفر هذا الرأي الآخر حتى لو كان ملفقا، أما في حالة الأسرة المسيحية، فهى المؤشر الأكثر خطورة على الخسائر المتوالية التي تتعرض لها قطاعات كثيرة في الحكومة وسائر أجهزتها ذات الصلة. هذا الصديق المسيحي يقول لي: «أنا أكثر الناس حرصا على هذا النظام والحكومة والرئيس، وسندفع ثمنا فادحا إذا تعرضوا لأي مكروه.. لكن الطريق الذي يسير فيه الإعلام الآن سندفع ثمنه جميعا بصورة فادحة، ونسأل الله ألا تكون كارثية».

وفى ميت عقبة بالجيزة هناك مثال آخر لأحد كبار التجار بالشارع. الرجل كان يعلق صورة كبيرة للرئيس السيسي في الشارع. وقبل شهور اختفت الصورة. شخص ما سأله: ما الذى حدث؟ فأجاب بأن الأوضاع صارت شديدة الصعوبة. أما الجديد فإنه بدأ أيضا في الاستماع لإحدى قنوات الإخوان التركية.

النماذج الثلاثة السابقة عينات عشوائية لظاهرة تزداد ولا يمكن نكرانها، بل دراستها بهدوء والتمعن فيها، ثم استخلاص العبر.

المسألة في الإعلام ليست كيمياء.. إذا لم توفر وجبة دسمة ومتنوعة في مطعمك، فإن الزبائن سينصرفون إلى أي مطعم يوفر هذه الأصناف حتى لو كان يقدم «لحم كلاب وحمير». المهم أن يكون هناك تنوع. هذه سنة الحياة طول الوقت، خصوصا في ظل ثورة الاتصالات التي نعيشها، ولم يعد ممكنا أن يتم حبس الناس أمام القناتين الأولى والثانية، كما كان يحدث في السبعينيات، وحتى وقتها ورغم قلة الخيارات وربما انعدامها، كان البعض يهرب من الإعلام الحكومي إلى إذاعات البي بي سي ومونت راديو وصوت أمريكا بل وراديو إسرائيل!!.

ما لا تدركه الحكومة، أنها عندما تقوم بالتضييق على الأصوات المختلفة معها في إطار السقف الوطني، فإنها تدفع جماهير كثيرة للهرب لمحطات وصحف لا نعرف من أين تبدأ وإلى أين تنتهي!.

لو كنت مكان الحكومة لحافظت على يسري فودة وإبراهيم عيسى وريم ماجد وشجعت أكثر خيري رمضان وعمرو أديب ولميس الحديدي ومجدي الجلاد ويوسف الحسيني، ووائل الإبراشي ورشا نبيل ومحمد علي خير وكل صوت يمكن أن يقدم لونا مختلفا مادام أنه في إطار السقف الوطني.

الإعلام الآن مثل الحب، لو لم يكن موجودا لاخترعناه. المسألة ليست فقط حبا في الاختلاف والتنوع، بل إنه من الأفضل للحكومة أن يشاهد الناس إبراهيم عيسى في محطة مصرية ويسري فودة بدلا من مشاهدتهما في أي محطة أجنبية مع كل الاحترام لهذه المحطات.

أتمنى أن تبادر الحكومة لإجراء مسح حقيقي لمعرفة نسب مشاهدة كل المحطات وأن تتخذ قراراتها في ضوء هذه المعلومات، بدلا من أن تترك المشاهدين ينصرفون إلى قنوات تقدم 10% من المعلومات الصحيحة مخلوطة مع 95% من الأكاذيب والدجل والترامادول!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"