تعتبر المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من أكثر المسؤولين الأوروبيين الذين يزورون تركيا، وتلتقي في هذه الزيارات رؤساء الحكومة التركية ورئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان. 

وقبل انقلاب يوليو الماضي، كانت قضية هجرة اللاجئين السوريين إلى ألمانيا والدول الأوروبية من أكبر القضايا التي كانت تعالجها السيدة ميركل، ولكن وبعد الانقلاب الفاشل بقيت قضية اللاجئين إحدى تلك القضايا الشائكة بين تركيا وألمانيا، وأضيف إليها موقف ألمانيا من دعم شخصيات معارضة لتركيا على أراضي ألمانيا، وهم ليسوا معارضة سياسية سلمية، وإنما ينتمون إلى منظمات تقوم بأعمال قتل وتفجيرات في الشوارع التركية وتقتل المدنيين والعسكريين، أي أنها تنظيمات إرهابية بالمعايير الأوروبية، وقد قتلوا في عملياتهم في العام الماضي سواحا من ألمانيا وأوروبا وإسرائيل وغيرها، فهي لا تستهدف الأتراك فقط، وإنما زعزعة الاستقرار في تركيا. 

ورغم صدور أحكام قضائية ضد بعض هؤلاء، إلا أنهم يجدون الملجأ السياسي الآمن في ألمانيا، ويقومون بنشاطات سياسية على الأراضي الأوروبية وهم على لائحة الإرهابي في تركيا، وهذا يتناقض مع اتفاقيات التعاون بين تركيا وألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية، وهذا يصعب من العلاقات التركية الألمانية بخاصة، ومع الدول الأوروبية بعامة.

لا ينظر الأتراك إلى العلاقات التركية الألمانية على أنها علاقات عادية، فألمانيا كدولة لها تاريخ عريق بالتدخل بالشؤون التركية قديما وحديثا، فكانت أول دولة أوروبية أدارت انقلابا عسكريا على حكومة تركية في عهد السلطان عبدالحميد الثاني عام 1908، فأتت بحكومة حزب الاتحاد والترقي، التي أدخلت الدولة العثمانية في هزيمة الحرب العالمية الأولى. 

وبعد مئة عام على تلك الأحداث، تجد الحكومة التركية نفسها أنها أمام مواقف مشابهة، ولكنها معنية باحترام ثلاثة ملايين تركي يقيمون في ألمانيا، وبناء علاقات جديدة تقوم على المصالح المتبادلة، فمصالح الدولتين كبيرة ومتشابكة ولا يمكن لدولة أن تدير ظهرها للأخرى، وبالأخص أن ألمانيا هي الدولة المرشحة أن تلعب دورا كبيرا في إدارة شؤون الاتحاد الأوروبي بعد انسحاب بريطانيا من الاتحاد أولا، وظهور نوايا فرنسية لاتخاذ قرار مشابه، ولو بعد الانتخابات القادمة في فرنسا.

وأخيرا وليس آخرا، عمل ألمانيا لتطبيق اتفاق اللاجئين السوريين بين تركيا وأوروبا الذي يسمح للمواطنين الأتراك دخول دول الاتحاد الأوروبي بنظام الشنجن، فقد تأخر تطبيق ألمانيا والدول الأوروبية له لسنوات، بينما طبقت تركيا ما عليها من التزامات، وهذا يجعل الشعب التركي غير مكترث بأي تعاون مع الأوروبيين في المستقبل، طالما يأخذون ما يطلبون من تركيا، ولا ينفذون ما يوقعون عليه للأتراك، أو ما يعدون به من مساعدات للاجئين السوريين في تركيا.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"