Une hirondelle ne fait pas le printemps (سنونوة واحدة لا تصنع ربيعا)، المثل فرنسي، لكنه ينطبق بامتياز على وضعنا الثقافي والإعلامي العربي. يمكننا أن نجادل كثيرا حول جريدة «السفير» التي لم تكن حيادية كلما تعلق الأمر بالفعل القومي، أو من يمثله من الرؤساء والملوك العرب. فلا أحد ينفي أن السفير علامة ثقافية عربية وليست مجرد جريدة يومية. جزء حي، مرتبك أحيانا، من ذاكرتنا الفردية والجمعية. 

مكان عاش فيه العربي قضاياه الحساسة برفقة جيل بكامله كانت رهاناته محلية وعربية وإنسانية، بذل جهوده المضنية بيقين راسخ وقناعات قومية عميقة حد انطفاء الكثير منهم، واستمرار الآخرين إلى اليوم بخيبات ثقيلة بعد انكسار المشروع القومي الذين عاشوا به وفيه ومن أجله: سعد الله ونوس، جورج قرم، مصطفى الحسيني، بلال الحسن، ميشال كيلو، عبد الرحمن منيف، رفعت السعيد، إميل بيطار، فهمي هويدي، رسام الكاريكاتير الشهيد ناجي العلي الذي اغتالته أيادي الجريمة في لندن، وغيرهم ممن أعطوا للجريدة قاعدة ثقافية وفكرية كبيرة، وجعلوها تتفادى السهولة والسطحية، البيع والشراء التي تتعرض له الجرائد أحيانا، وشكلوا ركيزتها الأساسية منذ ظهورها، في الساحة الإعلامية اللبنانية والعربية والدولية.

اختارت «السفير» المسلك الأكثر صعوبة، كعادة الجرائد الملتزمة بخط أو بقضية، في بداية ظهورها. مناصرة القضايا العربية الكبيرة، جعلت منها واجهتها الأساسية برهانات نضالية تقف على رأسها قضية فلسطين التي جعلت منها جزءا مركزيا من مبرراتها الوجودية والنضالية. بعد التمزقات العربية، المعلنة أو الخفية، التي انتهت بالتجربة القومية إلى أنظمة ديكتاتورية رعوية في أغلبها، يحكمها منطق القبيلة والجهة والطائفة أو الانتماء إلى زمرة المافيا المهيمنة على كل خيرات الأمة، وإلى جهاز غير مسبوق لقتل أي حلم ممكن. أنظمة تحولت مع الزمن إلى سلطات تبعية، عاجزة عن السير بشعوبها نحو التقدم، تحكمها حروب أهلية طاحنة، أو حروب بينية، عربية – عربية، يقتل فيها الأخ أخاه بانتشاء وحقد دفينين، وبلا قضية مرئية.

لم يكن ذلك إلا نتيجة طبيعية للخلل البنيوي في النظام الذي أتى على كل أمل في التطور. رافقت السفير هذه البراكين التي أحرقت كل الخيارات العربية والقومية، فكان من الطبيعي أن تتعرض للمضايقات والتهديدات الخطيرة لتكميمها وصدّها، كانت أولاها، الأكثر بروزا، نسف مطابعها في سنة 1980، ثم المحاولة الخطيرة في 1984 التي استهدفت مديرها طلال سلمان الذي حافظ دوما على استمرار الجريدة بالوسائل الممكنة، ودفع بعض الأنظمة العربية القومية، بغض النظر عن مآلاتها، إلى احتضان المشروع مع الاحتفاظ بالخط الأساسي للجريدة، عندما انهارت هذه الأنظمة وانهار معها الفكر القومي الذي مثلته في حقبة تاريخية محددة بعناده ورفضه لأي تجدد، بدأت الفجوة المالية تتعمق في الجريدة قبل التلاشي النهائي. 

ظل فعل «السفير» نضاليا بالدرجة الأولى. فكانت الصحيفة اللبنانية الوحيدة التي لم تتوقف يوما واحدا خلال الاجتياح الإسرائيلي 1982. ولأنها نشرت وثائق المفاوضات السرية اللبنانية – الإسرائيلية، فقد تعرضت في 1993 لتوقيف قضائي لم يستمر طويلا بعد أن تعاطف معها المهنيون الإعلاميون والمثقفون عربيا ودوليا.

اليوم، وبعد قرابة نصف قرن من الجهود الإعلامية التي زجت بها في كبريات القضايا، توقفت السفير نهائيا عن الظهور. مثل الملاكمين في لحظة الهزيمة المتوقعة، رمت إدارة الجريدة المنشفة jeter l’éponge، في عز الحاجة الماسة إليها، في وضع عربي وقومي مشتعل تكاد فيه كل الآمال أن تنطفئ، كان إلى وقت قريب، ميدانها الخصب لإنتاج خطاب حي، مقاوم للهزيمة، مستعيرة شعار «صوت الذين لا صوت لهم»، وصرخة دون كيخوتي: ألّا نقبل بالهزيمة في وضع كل ما فيه مهزوم. غير مستسلمة للدوامة القاسية التي دمرت نسيجا عربيا في سنوات قلائل، وهو الذي استغرق عشرات السنين قبل أن يتحول إلى منجز ملموس.

وجدت «السفير» نفسها داخل كماشات قاتلة من الصعب الخروج من سلطانها، في ظل فكر قومي تراجع حتى جف، وتحت رحمة آلة دولية ساحقة تسير بسرعة غير مسبوقة، وفي مناخ سياسي من الصعب فهمه أو السير في ركابه، وفي عمق طاحونة اقتصادية أكلت كل شيء في طريقها. تجلت في ضائقة مالية خطيرة لازمت الجريدة مدة طويلة، دفعت بها في البداية إلى تقليل عدد صفحاتها من 18 إلى 12، لكن الهوة المالية كانت كبيرة فلم يجد ذلك نفعا. يضاف إلى الحالة الصعبة، التحول السريع نحو الخيارات الإلكترونية للجرائد. ما أزم جديا وضع السفير ماليا. وهذا «الوحش الإلكتروني» لم يستثن أحدا. 

الكثير من الجرائد العالمية العريقة الكبيرة، في أمريكا وفي أوروبا، أوقفت نسختها الورقية، واتجهت نحو الخيارات الإلكترونية لعلها تخفف من المشكلة وتتفادى الانهيار الكلي. وتأزم الوضع العربي وانهيار الكثير من الدول العربية ودخولها في حروب أهلية ثقيلة ومدمرة مثل سوريا، وليبيا، والعراق، أدى إلى حالة غير مسبوقة من التفاقم والخسارات المتكررة التي جعلت من المستحيل على الجريدة أن تستمر.

هذا النور الذي انطفأ كأنه يحيل إلى زمن شديد الظلمة بدأت علاماته ترتسم بشراسة، مخاطره الكبرى تتفاقم بسرعة خطيرة. فقد لعبت «السفير» على مدار سنوات حياتها، دورا سياسيا وثقافيا، في ظل سلطان الفكر القومي الذي كان في عز تناميه وتحولاته الداخلية التي لم تجد حلولا لمعضلاتها الداخلية والبنيوية، قبل أن تبدأ حالة الاضمحلال بعد الهزائم العربية المتواترة، وإخفاق كل خيارات التنمية.

لا أدري إذا كانت الجريدة ستعود مرة أخرى، بعد تغير بعض معادلات الحاضر الحادة، إذ لا جريدة توقفت ثم عادت بنفس مقاييسها، وخياراتها، وخطها، وشروطها الثقافية والحضارية، لكن المؤكد هو أن جريدة السفير، مهما كانت آراؤنا فيها وفي خياراتها، ستستمر في القلوب كتجربة إنسانية عالية. مثلها مثل مجلة الآداب التي شكلت، داخل الخط القومي نفسه، خطا نضاليا متفانيا في قناعاته، قبل أن يتراجع هذا الفكر، في ظل أربع هزائم كبرى:

أولا الحروب الإسرائيلية العربية بعد شعارات حكامها الضخمة، ثانيا انتقال الأنظمة العربية القومية والثورية من الوطنية إلى أنظمة في أغلبها دكتاتوري، رعوي بلا تقاليد ديمقراطية. ثالثا الفشل الذريع في التنمية بعد كل التجارب التي رفعها الخطاب المنفوخ بلا منجز حقيقي ودائم. رابعا الخيارات الدولية ومصالحها، جعلت الدول العربية في كماشتها.

إذن مسألة التوقف لا تخضع لعاطفة قديمة أو خاصة ولكن لأن الوضع الذي لا عاطفة فيه، هو من يدفع إلى النهايات المأساوية.

إنها خسارة قاسية، لكني أشك في أننا ندرك فداحتها. 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"