"وإذ وقر في يقين هذه المحكمة -وهي التي تستوي على القمة في مدارج محاكم مجلس الدولة- واستقر في عقيدتها أن سيادة مصر على جزيرتي تيران وصنافير مقطوع به بأدلة دامغة استقتها المحكمة من مصادر عدة وممارسات داخلية ودولية شتى قطعت الشك باليقين بأنهما خاضعتان لسيادتها -وحدها دون غيرها- على مدار حقبٍ من التاريخ طالت، وأن دخول الجزيرتين ضمن الإقليم المصري ما انفك راجحاً يسمو لليقين من وجهين: أولهما: أن سيادة مصر عليهما مقطوع به على ما سلف بيانه، وثانيهما: ما وقع تحت بصر المحكمة من مستندات وبراهين وأدلة وخرائط تنطق بإفصاح جهير بوقوعهما ضمن الإقليم المصري على نحو ما سطرته المحكمة في أسباب حكمها، الأمر الذي يحظر معه على كافة سلطات الدولة وبل والشعب ذاته بأمر الدستور إبرام ثمة معاهدة أو اتخاذ إجراء يكون سبيلا للتنازل عنهما، ويكون من ثَمّ الحكم المطعون فيه فيما قُضي به، قد صدر مرتكزا على صحيح حكم القانون والواقع، وتقضي المحكمة -والحال كذلك- برفض الطعن الماثل".

ذَيَّلت هيئة المحكمة الإدارية العليا المنعقدة بتاريخ 16 يناير/كانون الثاني 2017 حكمها بمصريّة جزيرتي تيران وصنافير بهذه الكلمات، لتغلق الباب القضائي على الراغبين في بيعها، وهم كما وردت صفاتهم وأسماؤهم في حيثيات الحكم: "رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس النواب ووزراء الدفاع والخارجية والداخلية والمتدخل معهم تضامنيا أحمد صادق القشيري" ولم يبق أمام الذين باعوا أرضهم وخانوا أمانتهم إلا الالتفاف على الحكم القضائي بطرق ملتوية، والاستمرار في مهزلة عرض ما أسموها "اتفاقية" على مجلس النواب، ليجرّ السيسي معه رموز المؤسسات المصرية في مستنقع رذيلة الخيانة، حتى يقترن بقاؤهم ببقائه.

ما كشفت عنه قضية تيران وصنافير، أن المؤسسات في مصر عصيّة على أي حاكم مهما بلغت قوة المؤسسة الداعمة له، طالما أنه يتجاهل الجميع ولا يلتفت لنصائحهم أو يتعمد إذلالهم، ويضاف لذلك ضعف الأداء الاقتصادي الذي يستدعي السخط الشعبي، فلم يبق مع "مرشح الضرورة" ما يستلزم خسارة كل شيء لأجله، ولم تعد صورته أمام المعنيين بمصر كما تم تصويرها من قبل بأنه الزعيم القوي الذي يمسك بزمام الأمور، فهو لا يقدر على الوفاء بالتنازل عن الجزيرتين في أروقة الدولة بعد تأميم حركة الاحتجاج بالشارع.

الآن لم يعد سرا أن جهازا سياديا دعم هيئة الدفاع عن مصريّة الجزيرتين بوثائق مضادة لوثائق الحكومة، وأنه دعم الغضب الشعبي الذي ظهر في حراك الأرض في 15 إبريل/نيسان 2016 وتم قمعه بعدها بعشرة أيام، وكذلك لم يعد مستورا أن هناك هيئة قضائية اشتهرت بجنوحها نحو النظام في قضايا كثيرة منذ الانقلاب العسكري، واختارت أن تحكم ضده بما يبدو أنه سخط داخلي من جهة واستناد لجهات نافذة من جهة أخرى، ولا يزال شبح 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 يطارد السيسي، إذ تكرر حديثه عن ذلك اليوم في الآونة الأخيرة، بما يشير إلى أحد احتمالين: أنه أنهى كل ما بقي من آثار ذلك اليوم، أو أن هناك حراكا يتجدد ضده ممن كان يشاكسه فيه تلك الفترة "داخليا وخارجيا" كما يردد، وكلها مؤشرات أن أجهزة الدولة من بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011 أقوى من أي رئيس، وأن أحد توابع الثورة لا يزال أثره باديا في تنازع المؤسسات حول من سيبسط سلطته على البلاد.

تقترب الذكرى السادسة للثورة وهي تحمل معها نفس ملابسات الغضب من نظام الحكم، وتحمل معها إخفاقا اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا أشد بكثير مما كان قبل الثورة، ولا تزال الرسالة التي تبعثها التجربة المصرية على مدار تلك السنوات، أن هذا البلد لا يمكن أن يحكمه ويستأثر به طرف واحد، فلم ينجح العسكر في الإدارة وحدهم بعدما حاولوا إقصاء الأجهزة القوية ورجال المال والسياسة من المشاركة في السلطة، ولم ينجح الإسلاميون في تحالفهم الأيديولوجي في إدارة الدولة وحدهم، وكذلك لم ينجح تحالف 30 يونيو/حزيران في إقصاء الأطراف المدنية الإسلامية من معادلة إدارة الدولة في مجابهة الاستحواذ العسكري بعد استدعائه.

الدرس المتجدد منذ ست سنوات أن إدارة الدول وصيانة المجتمعات غير ممكنين إلا بالتوافق بين كل الأطراف ووفقا للتدافع السياسي والاجتماعي السلمي بينهم بحسب أوزانهم النسبية في المجتمع وفي السياسية وفي جهاز الدولة كذلك، والسعي للاستئثار يؤدي للانحسار، وهو انحسار تأثير في إدارة الدولة وقبول المجتمع لجهة الحكم، وذلك ناتج من المزاحمة في الأقوات واحتكار وظيفتيْ التشريع والإدارة، وكلما جنحت جهة الحكم للتشاركية حافظتْ على تماسك الدولة والمجتمع، وأيضا حافظت على مكانها في السلطة ما دامت نتائج إدارتها مرضية لعموم الناس.

إن ما كشف عنه حكم المحكمة الإدارية العليا في مصر بالأمس من تفسُّخ في قلب السلطة بعد تهميش الأطراف الأهلية المستدعِية لها، يدعو للأمل في أن ما أحدثته ثورة 25 يناير -ونحن على أعتاب ذكراها- لا تزال آثاره وتوابعه موجودة في نفوس المجتمع وفي مخيلة سلطة القمع والقهر، وتبقى دوافع المجتمعات أشد وطأة من تحصينات السُّلْطات.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"