اسمحوا لي مع إطلالة العام الجديد أن أعبر عن شذرة من الارتياح، وذلك لاضطرار بيبي نتنياهو إلى المثول أمام المحققين بشبهة الحصول على هدايا، وهو التعبير المهذب لكلمة رشوة. نتنياهو لا يلوّث يديه بالمال الحرام، ولا يترك وراءه بصمات، ولهذا يقال إنه حصل عليها بطرق ملتوية ومُحكمة. وكما يبدو، تم تمرير هذه الهدايا من خلال إنسان قد يكون من صُلبه، وقد يكون صديقا حميما أو مقربا جدا.

هكذا يعيش مئات الآلاف من أمة ونسل أبينا إبراهيم عليه السلام من اليهود والعرب وقوميات وأديان ومعتقدات أخرى على أمل أن يتم أخيرا فضح بيبي على الملأ، وأن تختفي ابتسامته الصفراوية الهازئة المستكبرة على العالمين من واشنطن إلى بكين.

بيبي يحاول تمثيل دور رجل السلطة المثالي المبدئي البعيد عن الشبهات والظهور بمظهر الصهيوني الكلاسيكي المؤسس مثل جابوتنسكي أو هرتسل، ويطمح لأن يكون شخصية بارزة جدا في تاريخ الحركة الصهيونية والشعب اليهودي، ولكن يبدو أن الطمع أعماه، وها هو يقف مرتجفا على حافة الهاوية، وهناك شكوك قوية تدور حوله بأنه ليس لصا فقط للأراضي الفلسطينية، بل إنه استغل موقعه منذ كان وزيرا للمالية، وحصل على لحسات وهبشات وهدايا كثيرة. 

لا أخفي أنني سأشمت كثيرا، سوف أقول مستاهل أيها اللص، سأشترك مع أوباما وأبو مازن وإسماعيل هنية والسجين رئيس الحكومة السابق إيهود أولمرت الشعور نفسه في اللحظة نفسها التي يدان فيها بيبي. سأشعر بدغدغة في صدري عندما أراه في قاعة المحكمة على رأسه طاقية دينية سوداء في محاولة بائسة لإظهار ورعه أمام القضاة والشعب، كذلك وهو يحاول إظهار ثقته بنفسه أمام فلاشات الكاميرات، ولكن الملاعين سيحللون حركات جسده بالتصوير البطيء كما لو كان على طاولة تشريح، سوف تزيد فرحتي أكثر وأكثر إذا ما تقرر إنهاء وظيفته كرئيس حكومة بسبب تهمة دنيئة وليس فقط بسبب جرائم الحرب الأكثر دناءة التي ارتكبها. 

سوف أفرح لبيبي إذا حكمت عليه المحكمة بنصف أو ربع ما حكم به أولمرت بالسجن الفعلي، ولكنني أعرف أن فرحتي وفرحة الكثيرين لن تطول، هي فرحة لحظتها فقط، فهذه ليست أول مرة يدان فيها رئيس حكومة أو وزير بالفساد، لقد أدين قبله كثيرون، وحامت شبهات قوية حول كثيرين بعضهم تملص وبعضهم لم ينجح بالتملص فقضى أو ما زال يقضي محكوميته بالسجن الفعلي، ولكن هذا لم يغير شيئا في السياسة العامة بل ازداد التطرف. 

يبدو أن الشبهات حول هذا القومجي الكبير كبيرة، والملف مُحكم ويلتف حول عنقه، وإلا لما أمر المستشار القضائي بالتحقيق معه، لأن المستشار محسوب على رجال بيبي فهو الذي عيّنه مستشارا، فهل غدر المستشار القضائي به وخان العيش والملح! يبدو أن لدى الشرطة مماسك قوية ضد ملك إسرائيل وإلا لما رضخ المستشار لطلبها باستجوابه، علما أن رئيس جهاز الشرطة هو رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) السابق، وهو أيضا محسوب على بيبي، ولهذا تزداد الشكوك بأن الهدايا التي وصلت إلى بيبي هذه المرة لا يمكن تجاهلها، ومن يتجاهلها قد يورط نفسه، فلم يجدوا مفرا من التحقيق معه تحت التحذير، الأمر الذي يعني أن كل كلمة في التحقيق ستحسب عليه وستستخدم ضده في حالة المحاكمة.

سيفرح الفلسطينيون فرحة الفقراء بهدية متواضعة غير متوقعة، سوف يشترك الفلسطينيون من حماس وفتح والتنظيمات الأخرى في حفل الشماتة مع كثيرين من المركز واليسار واليمين الصهيوني، وسوف يتنفس أبو مازن الصعداء ويضحك بعبه، وسيقول «اللهم عافنا من الخبث والخبائث»، شكرا لله الذي بهدل هذا الذي لا يريد وقف الاستيطان لساعة، ولم تردعه عن نهمه الاستيطاني حتى القرارات الدولية. 

ولكن الشيء بالشيء يذكر، عندما نذكر فساد نتنياهو ووزراء كثيرين في الكيان الصهيوني نقول الحمد لله أنه لا توجد لدى أمة العرب مثل هذه الشفافية، وذلك أننا لو أوقفنا كل مرتش أو متحرش جنسي عن عمله لكنا أغلقنا الوزارات والمكاتب الحكومية العامة والشركات عن بكرة أبيها وأمها وفرطت الدول.

ليس لدى أمتنا هراء التحقيق مع رئيس حكومة أو زعيم تاريخي، حتى الرئيس أبو مازن الذي لا دولة له، لا يستطيع أي قضاء أو شرطة أن ينظر إليه كمشبوه، فما بالكم مثلا بدعوة بشار الأسد الذي حارب مؤامرة ثمانين دولة كما يقول للتحقيق بشبهة الفساد لا سمح الله أو تلقى هدايا هو أو أحد وزرائه أو أبناء عائلته وقادته التاريخيين!

وهل يعقل مثلا أن يتلقى جنرال مثل السيسي هدية كتعبئة ثلاجته الفارغة بالتونة والفراخ والأجبان والعصائر والخضار واللحمة الباهظة الثمن مثلا! هذا يحيلنا إلى انتحار أو إعدام وائل شلبي أمين عام مجلس الدولة في مصر بعد كشف تورطه في قضية الرشاوى الكبرى وبعد اعترافه، واكتشاف مغارة علي بابا في بيت أحمد جمال الدين اللبان مدير المشتريات في مجلس الدولة، ويقودنا للاعتراف ونحن صاغرون بأنه من العار أن يقل رصيد أي زعيم أو وزير أو مستشار عربي عن مئة مليون دولار هذا إذا كان فقيرا «معترا» مثل اللّبان مدير المشتريات.

نعم، سأشمت في نتنياهو، ولكن لا أخفي أنني أشعر بالغيرة، وأنظر إلى القيادات العربية التي تخوض بأموال شعوبها ودمائهم، ويحيق الفساد بها من بين يديها وفوقها وخلفها وتحتها، ولكنها لا تُسأل: «من أين لك هذا؟»، أما من يسأل، فقد يعثر عليه مُنتحرا في بيته أو في زنزانته أو يختفي في ظروف غامضة، وقد يتبين حسب أبواق الإعلام العربية بأنه كان يعمل في خدمة الدواعش والفواحش وجهاد النكاح والموساد، وقد يعثر في بيته على أموال أجنبية وهيرويين، وسرعان ما يتحول إلى جزء من المؤامرة الكونية لتخريب البلاد وإهلاك العباد والمس بمصداقية خير قيادات أخرجت للناس.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"