كانت مفاجأة معلوماتية صادمة تلك التي فاجأنا بها دليل الهيئة العامة للإحصاء، الذي نشر عبر كل الوسائل الإعلامية. لم نصدق أن عدد السكان في السعودية يصل إلى 32 مليون نسمة، وأن الرياض وحدها تقتص من هذا العدد ما يقترب من ثمانية ملايين، يشكل السعوديون ثلثي هذه النسبة، والثلث الآخر للوافدين من مختلف الجنسيات. 

هيئة الإحصاء التي أعدت مشكورة هذا الدليل استندت إلى آلية عمل دقيقة دحضت بها كل الأرقام العشوائية القديمة، كنت كغيري من السعوديين إلى وقت قريب لا نتجاوز بمخيلتنا حاجز الـ14 مليون نسمة.

اليوم، نقف على أعتاب مستقبل يعِد بانفجار سكاني حقيقي سيفرز معه كثيرا من الظواهر، منها الحميد، وأكثرها السيئ؛ إذ لن تقف مجتمعات المستقبل على أرض الواقع في إطار آلية عمل إداري بيروقراطي عاجز عن تلبية متطلبات الفرد الأساسية. طبعا المستقبل موعود بحلول عملية تضمنتها رؤية 2030، ولكن يجب ألا نتجاهل حقيقة أخرى تبدو لدى البعض مزعجة، وهي ليست كذلك، وأعني بها العمالة الأجنبية الوافدة، الذين يقتصّون من سوق العمل الحر في السعودية النسبة الأكبر، وهذه ليست معضلة كبيرة متى أدركنا أهمية العمل الحر والأعمال المهنية الشاقة، وبدأنا ندفع أبناءنا لامتهانها.

قد يكون التصور لتلك اللحظة صعبا إلى حد ما، وطموحاتنا في تحقيقها ضئيلة في أن نرى شبابنا يرتقون السلالم لتشبيك أسلاك كهرباء، أو يعكفون ظهورهم على تمديد مواسير مياه، ليحطموا تلك الصورة الكلاسيكية التي تعودناها، تلك المرتبطة بالمهن البيروقراطية التي تمر متسلسلة عبر أوراق كل ورقة منها تحدد اختصاص عمل كل واحد منهم وراتبه داخل المكاتب المغلقة، تلك الصورة الذهنية التي تجعلنا دائما لا نرى أنفسنا إلا بملابس نظيفة وأيدينا الناعمة تجرحها الأوراق الصقيلة، نريد أن نظل دائما في حيز الوقت البيروقراطي، متنعمين بين فناجين القهوة والشاي، ونتخاطف الكلام في صراع دائم عن «فريقنا» المظلوم الذي يستحق الفوز والفريق الآخر الذي دائما في مؤازرة لحكام له، نريد أن نخرج وقد امتلأت محاجر عيوننا بنوم ثقيل كي نذهب إلى منازلنا بحثا عن فرشنا الوثيرة للراحة استعدادا لسهراتنا الليلية الخاملة.

هل يعجبنا أن نظل دائما وأبدا مجتمعا «ورقيا» لا يحسن سوى تعاطي أضابير المعاملات بغض النظر عن إنجازها في وقتها؟ أستثني من هؤلاء المعلمين الذين يحملون على أعتاقهم أشرف مهنة على وجه الأرض، بغض النظر عن إيمانهم برسالتها أو إنجازهم فيها، وأستثني من هؤلاء الموظفين المرتبطين مباشرة بدور عمل إنتاجية كاملة كموظفي أرامكو وشركات الإنتاج العملاقة، وكذلك أستثني رجال أمننا البواسل. أنا أعني تحديدا موظفي الحكومة الذين أفرزتهم فترات إدارية تراكمية صنفت على أساسها الوظائف وأصبحت مهوى أفئدة الشباب، وأنا واحد منهم؛ لأننا بشهاداتنا الجامعية ضمنا مقاعدنا داخل أروقة الحكومة على «المستريح»، رواتبنا مضمونة، سواء أعملنا أم لم نعمل ما دمنا نأتي صباحا ونخرج عند الثانية والنصف ظهرا.

لقد راعنا ذاك الرقم الكبير لأعداد العمالة الوافدة والأموال الضخمة المحولة شرقا وغربا، أنا لا أريد أن أتحدث عن خطرها الأمني، فقد لا أجد فيها ما يشي به بعض الناس في مجالسهم، بل بالعكس الخطر الأمني مستقبلا سينبعث من داخلنا نحن، لا تستغربوا، سنصحو ذات يوم على شح في الوظائف وعلاماتها بادية منذ سنوات، فالطالب الجامعي الورقي الذي يبحث عن وظيفة ورقية -قد يجيد العمل فيها أو لا يجيد- سينتظر لسنوات حتى يحصل عليها، في الوقت الذي يباشر العامل فيه عمله منذ اليوم الأول الذي تطأ فيه قدماه أرض بلادنا، وخلال سنوات انتظار الشاب يكون الوافد حصد مبالغ جيدة وأفاء بها على أبنائه وأهله في الخارج، والشاب المصاب بالإحباط يظل عالة على أهله، ثم يقول بصوت ضجر ومستنكر «حنا لقينا شغل وما اشتغلنا».

لم يتعلم من أولئك القلة من الشباب الأذكياء الأفذاذ الذين فهموا اللعبة ورفضوا أن يكونوا جزءا منها، فبادروا إلى اقتناء مهنة تناسبهم وتدربوا عليها جيدا، وأصبحت تدر عليهم مبالغ ضخمة، فمنهم من عمل كهربائيا وسباكا وطباخا ماهرا ودهانا أو سائق أجرة، وأبلوا في ذلك بلاء حسنا، وأدركوا جيدا تلك الخديعة الكبرى التي انطلت على جيل كامل من الشباب، تلك المسماة «وظيفة»، الأمر المضحك يا سادة هو أننا لم نفهم المعادلة جيدا، وأحرقنا أعمارنا مربوطين بأقدام الكراسي الوظيفية الوثيرة، ثم نطالب بتحسين أوضاعنا قعودا، ونطالب بمساكن قعودا، حتى أدمن بعضنا تدبيج الخطابات طلبا للشرهات، بالله عليكم ماذا نريد من مجتمع هذه حاله، في حين تجد الشباب الذين امتطوا صهوة الحياة بقوّة، وحاربوا من أجل تحصيل لقمة عيشهم بشرف اغتنوا وأغنوا؟ فليسوا هم بحاجة إلى انتظار 20 سنة للحصول على سكن أو يتساوى الراتب مع متطلبات الحياة الصعبة.

اليوم، سوق العمل مع برنامج التحول تعِد بسوق عمل متجدد وثري، هل استعد الشباب لخوض غمار المهن ليكونوا الأسبق إليها، فلا نستعين بغيرنا؟ يجب ألّا ترتعد فرائصنا من العمال الوافدين وهم يصطفون طوابير لدى شبابيك الحوالات، فهذا من كد أيديهم وعرق جلودهم، وستستمر الحال ما لم نسابقهم إلى هذه السوق الثرية. إن لم نفعل فعلينا الصمت.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"