# الأربعاء، 28 ديسمبر 2016 02:07 ص
الجهاديون وسردهم الأرشيفي للأحداث
من أكثر الأشياء إحباطا التي واجهتها منذ اعتناقي للإسلام في التسعينيات من القرن الماضي، هو هذا الميل المزمن للمبالغة في مجتمعنا، مع عدم الرغبة في أي موضوعية. ونستطيع أن نرى مثالا جيدا على هذا في الحديث الذي تم إجراؤه مؤخرا مع فاطمة، أم الطفلة بانا العابد (أحد مشاهير تويتر التي تبلغ من العمر 7 سنوات)، بعد وصول العائلة إلى تركيا؛ فقد اشتكت من الظروف العصيبة في حافلة الإجلاء، وشبهت الموضوع بكونهم مثل الرهائن، إلا أن هذا الحافلة قامت بتوصيلها هي وأسرتها إلى بر الأمان والحرية. ولم يتم قصف الحافلة، أو إشعال النار فيها، أو إعدام الرجال الذين كانوا على متنها، أو اغتصاب النساء.. كما قيل لنا أن نتوقع. أبدا، لقد مروا بسلام إلى تركيا، ولكن بدلا من أن نقول "الحمد لله"، نلقي خطبة عصماء ضد الحافلة التي أنقذت أسرة من الحرب، كما لو أن الآمال قد خابت لأنه لم تكن هناك أي فظائع.
 
عندما بدأت أتفاعل مع العرب في بداية اعتناقي للإسلام، وصلني انطباع ما مفاده أن صلاة الفجر في المسجد في أي بلد عربي ليست شيئا آمنا، وأن إطلاق اللحية ستكون نتيجته هي القبض عليك، ولقد استغرق مني الأمر بعض الوقت حتى أدركت أن هذا ببساطة غير صحيح؛ فقد صليت الفجر في مساجد الكثير من تلك البلدان، وعرفت الكثير من الإخوة الملتحين، وصرت أن نفسي كذلك.

أتذكر أن صهري من قطاع غزة كانت لديه لحية أول مرة حين التقيت به، ولكنه كان قد حلقها عندما زرت غزة مرة ثانية بعد أكثر من سنة بقليل في وقت لاحق. وقد شرح لي أنه في عهد عرفات، لم يكن آمنا أن يتم إطلاق اللحية، وكان يقول هذا بينما كان يجلس بجانبه صهري الآخر مطلقا لحيته! لذا فلنكن صادقين؛ المساجد تكون شبه خاوية وقت أذان الفجر في العالم العربي لنفس سبب خوائها في الغرب، أو في أي مكان آخر، وهذا السبب هو أن عددا قليلا جدا من الناس يرغبون في الذهاب لصلاة الفجر حاضرا في جماعة، وكون أجهزة الاستخبارات ستصنفني كـ"متطرف"، فهي مجرد ذريعة.
 
والجدير بالذكر أن مطالب الثوار الأصلية في سوريا في عام 2011 لم تشمل الحق في صلاة الفجر في المسجد.. لا! السرد الجهادي لما حدث قبل الحرب في سوريا تم تعديله وتحريفه.
 
لقد عرفت السوريين طوال حياتي كمسلم؛ إخوة متدينين، ومعارضين للنظام، وإخوانا وسلفيين وغير مؤدلجين. ولم يشتك أحد منهم من القمع الطائفي العلني للممارسات الدينية، ولكنهم اشتكوا من فساد القطاع العام، والرقابة، وعدم المساواة في الدخل، واحتكار السلطة، وهلم جرا. وهي الأشياء ذاتها التي احتج عليها المتظاهرون، وهي كلها الشكاوى ذاتها لأي شخص ضد الحكومات الاستبدادية في أي مكان من العالم. ومعظم الناس كانوا أحرارا نسبيا ليقولوا ويفعلوا ما يشاؤون، ما داموا لم ينتقدوا الحكومة. ومرة أخرى، هذه هي الصورة ذاتها في أي بلد عربي (وهي بالمناسبة نفسها مع أي شخص يعيش تحت ولاية داعش، إلا أنه في ظل داعش نجد القمع الطائفي العلني بارز جدا).
 
لا أحد يقول أن النظام في سوريا كان خيرا وحسنا، ولكنه لم يكن بأي حال من الأحوال فريدا في سوئه؛ فحسب معظم الروايات السابقة لعام 2011، يبدو أن الأمور كانت تتحسن. فقد كان هناك تطور اقتصادي كبير، وإصلاح للبنية التحتية، وهلم جرا. ورغم أن هذا كله صحيح، إلا أنه لا يبطل مطالب المتظاهرين، والاعتراف بهذا الواقع لا يقوض شرعية ما كانوا يطالبون به، لكن مطالب المتظاهرين تم إغراقها فورا في خضم القتال المسلح، وتغيرت طبيعة الصراع بشكل جذري. مرة ثانية أكرر أن مطالب المتظاهرين لم تكن دينية في طبيعتها؛ ولكن سياسية واجتماعية واقتصادية. تماما مثل مطالب المتظاهرين في تونس ومصر، وفي كل مكان. وسيكون من غير الأمانة أن نقوم بإعادة كتابة تاريخ هذه الأحداث بطريقة أرشيفية لجعلها تبدو كما لو أنهم كانوا ينتفضون ضد القمع الديني، لأن هذا لم يحدث.
 
أنا لا أشك في أن الجهاديين يصدقون ما يقولونه، ولكنهم عندما يتحدثون عن القمع الديني، فهم يعنون "العيش في ظل أي نظام آخر غير دولة الخلافة"، ولكن هذا التعريف لا يشاركهم فيه معظم الناس. فربما كانت لديهم تجارب شخصية من ناس تم إلقاء القبض عليه بسبب صلاة الفجر في المسجد، ربما... أنا لا أعرف!  ولكن إذا كان الأمر كذلك، فلم لا يكون الاعتقال متصلا بمسائل أخرى لا علاقة لها بالصلاة! فهذه التجربة لا تعكس الوضع العام لمعظم الناس. وبصراحة، لقد سمعت هذه العبارة تتردد كثيرا، ثم رأيت كيف تم إثبات زيفها مرات كثيرة، وأعرف الكثير من السوريين (قبل الحرب) ربما صدقوها وخُدعوا بها.
 
إذا وضعنا هذا الميل إلى المبالغة وإعادة كتابة التاريخ كتابة أرشيفية في اعتبارنا، فيمكننا في هذه الحالة أن نتنبأ مثلا بأننا سنرى في السودان حركة معارضة وسلمية ضد نظام عمر البشير على أساس مطالب اجتماعية واقتصادية، ثم تتحول إلى انتفاضة علمانية عنيفة ضد "الإسلاميين"، مع استخدام الدين لطمس القضايا الحقيقية. ثم يأتي الثوار السودانيون بعد ثلاث أو أربع سنوات من الآن ليقولوا لنا إن حكومة البشير أجبرت الناس على صلاة الفجر في المساجد، وعاقبت من لم يطلقوا لحاهم من الرجال، فيساند المتدينون الحكومة، ويساند الغرب الثوار، ولا أحد يتذكر مطالب المتظاهرين الأصلية.
 
لذا فكما ترون، من الأهمية بمكان أن نكون صادقين وموضوعيين فيما يتعلق بالواقع؛ لأن هذا هو حقيقة ما يؤثر على تشكيل الواقع.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"