منذ بيان الانقلاب الذي تلاه عبد الفتاح السيسي ويبدو لي أن هذا المخلوق مختلف من جهة علاقاته بالصهاينة عن أي رئيس مصري سابق، ثم لما تتابعت الحوادث التي يستحيل حصرها هنا في هذا المقام، ولاسيما تلك التي استهدفت قطاع غزة بالحصار، وكشفت –كما في الحرب الأخيرة على القطاع- عن انحياز معلن وواضح وغير مسبوق في شكله وصراحته لصالح الكيان الصهيوني ضد المقاومة الفلسطينية؛ تأكد لي أن الأمر هذه المرّة مختلف.

ذهب أكثر المعقبين على الشأن الفلسطيني إلى أن المواقف العدوانية التي أبداها نظام عبد الفتاح السيسي تجاه غزة وحركة حماس، سببها الانتماء الإخواني لحركة حماس وتعبيرات التعاطف التي أظهرتها مؤسساتها الإعلامية مع ضحايا المذبحة التي استباح بها السيسي الآلاف من أفراد الإخوان والمتعاطفين معهم، وقد غاب عن هؤلاء المعقبين أمران..

الأول: أن التحريض على حماس كان جزءا من خطة الانقلاب، وقد استمر سنة كاملة قبل تنفيذ الانقلاب ثم ظلّ مرافقا للعملية الانقلابية، وأن البدء الجدّي لتدمير الأنفاق تزامن تماما مع بيان انقلاب السيسي، وكأن المصلحة الصهيونية كانت إحدى مركبات الانقلاب، فكانت حماس في الحقيقة، في حينه، تدافع عن نفسها، أكثر مما كانت تدافع عن الإخوان المسلمين.

والثاني: أن مستوى الإمعان في العداء قد فاق كل ما اقترفه نظام مبارك، الذي احتفظ بقدر محدود من الحصافة في مواقفه السياسية بخصوص القضية الفلسطينية، وبحدّ أدنى من المرونة في التعامل مع قطاع غزة، وذلك القدر المحدود لم يكن ليسمح بالانحياز الكامل المعلن للمعسكر الصهيوني، بالرغم من العلاقة المتينة، سياسيا وأمنيا واقتصاديا، التي ربطت نظام مبارك بالكيان الصهيوني.

من جهة أخرى، لم يُخف الصهاينة انشغالهم بتثبيت أركان الانقلاب، واشتغالهم على الترويج له في المحافل الدولية، وقد أنتج ذلك كمّا كبيرا من التصريحات والندوات والمؤتمرات وورش العمل، لشخصيات صهيونية سياسية في الحكومة أو في المعارضة، وأكاديمية وإعلامية ودينية، وفي اللوبي الصهيوني في أميركا، تتحدث صراحة عن مصلحة الصهاينة ودورهم في هذا الانقلاب، ولأنها تفوق الحصر، أحب عادة اختصارها بالقول إن "السيسي معجزة إسرائيل"، وهو الوصف الذي أطلقه عاموس جلعاد رئيس الهيئة السياسية والأمنية في وزارة الحرب الصهيونية.

فيما بعد لم تعد المواقف الشاذّة التي يتبناها نظام السيسي بخصوص القضية الفلسطينية مقتصرة على حصار غزة أو استهداف حركة حماس، فقد تجاوزت في شذوذها ذلك القدر المحدود من الحصافة الذي حرص عليه مبارك، بل والحد الأدنى المستقر في الأداء الدبلوماسي العربي، وقد تبين هذا أخيرا في سحب مشروع قرار إدانة الاستيطان الذي تقدمت به المجموعة العربية عبر مصر كون الأخيرة عضوا مؤقتا في مجلس الأمن.

ومع ذلك فإننا لا نكاد نجد أي خطاب نقدي يقارب الموقف من نظام السيسي على أساس القضية الفلسطينية، على خلاف ما كان عليه الحال زمن مبارك، وذلك لأن القضية الفلسطينية ليست معيارا حقيقيا تنبني عليه المواقف سوى لدى قلة من المقاومين والمناضلين والإسلاميين في الحقيقة..

لو أخذنا مثلا ما يسمى بمحور المقاومة، فإننا سوف يخيل إلينا وكأنهم حلفاء للسيسي، إذ لا تخرس الخطابات من نوع تلك التي كانت تهاجم مبارك فحسب، ولكن تبدو العلاقة معه أقرب للتحالف في بعض القضايا كما في الموضوع السوري، بينما لا يزال قطاع من إعلام هذا المحور يتبناه ويدافع عنه.

أما مواقف بعض القوى الفلسطينية التي أيدت السيسي ودافعت عنه، فهي إما أن اتجاهها ومعيارها هو الموقف من حماس فتوالي كل من يعادي حماس، وهذا حال فتح غالبا، أو أنها مريضة بالكراهية للإسلاميين وترى العالم من هذه النافذة فحسب وهذا هو حال اليسار الفلسطيني.

واليوم يسقط السيسي، ويفتضح تماما، فهو خصم للقضية الفلسطينية، لا في عدائه للمقاومة الذي يمكن أن يشاركه فيه كثيرون، وإنما حتى لمصالح القضية الفلسطينية ضمن سقف الحدّ الأدنى الذي تستظل به الدبلوماسية العربية في المحافل الدولية.

لا يبدو أن هذا الشذوذ الفج وشديد الغرابة، مردّه فقط إلى افتقار السيسي إلى الشرعية الداخلية وسعيه لتعويضها من بوابة الخدمات الدولية، التي تمسك اليد الصهيونية ببعض أهم مفاتيحها، إذ ما يزال مستوى الشذوذ يحتاج إلى ما هو أكثر لتفسيره، من قبيل أن الدور الصهيوني في الانقلاب كان أصيلا وعميقا بما يجعل السيسي مجرد شريك في أحسن أحواله، أو أداة في أسوئها.

كان من مظاهر التعاون بين الطرفين، رسالة اعتماد السفير المصري لدى الكيان الصهيوني زمن الرئيس محمد مرسي، ففي سابقة وعلى نحو غير معهود، كشف الصهاينة عن نص تلك الرسالة لإحراج محمد مرسي، فقد تضمنت في مطلعها مخاطبة رئيس الكيان في حينه شيمون بيريز بالقول "عزيزي وصديقي العظيم".

لقلة من المراقبين كان واضحا أن مرسي لا يحكم، وأن أجهزة الدولة كلها تتآمر عليه، حتى وإن أوحى الرجل بعكس ذلك، وحتى وإن تعامل مع هذه الرسالة بمنطق رجل الدولة، في دولة مهترئة من هذا النوع، فلبسوا عليه الرسالة ومرروها باسمه، ثم لم يقل موضحا أكثر من هذه الجملة "أنا لم أعهد الالتفات إلى الصغائر والتفاهات، ورقة ملفقة هنا أو هناك، الرجال بمواقفهم وأفعالهم"، ولا تخلو هذه الجملة مما يشير إلى تمرير الرسالة في غفلة منه.

صحيح؛ يتحمل محمد مرسي وفريقه مسؤولية عن اللغط الذي لم يزل يلاحق الرجل وهو في سجنه حتى اللحظة، إذ لم يتصرفوا بما تمليه اللحظة، وإنما وقعوا في وهم الدولة، لكن اتضاح مسار الانقلاب وتآمر جهاز الدولة كله ضدّه، يبين أن مرسي كان ضحية في هذه القضية، كما كان ضحية في غيرها..

لكن ذلك ليس مهما إلا لدى من يهمه إنصاف الرجال، إنما المهم تلك الوقاحة التي يبديها البعض، فيلاحق محمد مرسي حتى اللحظة بتلك الرسالة، ثم لم يزل يدافع عن عبد الفتاح السيسي باسم فلسطين التي يتآمر عليها عبد الفتاح السيسي، ثم لك أن تبحث في معاجم العربية عن وصف يليق بهذا السلوك الذي ينتهك فلسطين وقضيتها كل لحظة!

وصدق الله العظيم "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور".

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"