توجد منطقة وسطى بين القول العدمي بأن تونس 2017 أسوأ من تونس 2010 وبين القول بأن الجنة تونس أو أن تونس قد صارت الجنة. تلك المنطقة الرمادية من مكاسب واحباطات لا تفتح بالضرورة عن منطقة مزهرة بعد حين لكنها تعيش احتمال ردة منذر بخسران. آمال كثيرة معلقة على مستقبل مشتهى وآمال لا تزال تنتعش بغيث نافع من أعطيات السّماء أكثر مما تنتعش بعمل الحكومات التي تتوالى على حكم البلد كفرق رياضية تحت التمرين لم تلعب أبدا مقابلتها الأولى في دوري بناء الدول.

اختصار النقاش بالقول أن تونس أفضل من سوريا.

في أغلب المحاورات التقييمية التي تدور منذ مدة لمكتسبات ثورة الحرية والكرامة في تونس يقفز إلى مقدمة الحديث قول يتواضع من عجز أو من خوف (احمد ربي وشوف سوريا وليبيا) فاذا سلم المرء بهذه المقدمة المرعوبة من الحرب يسلّم لاحقا بأن القليل المنجز أفضل من الكثير المأمول ثم يرتب الحديث على الرضا بالمقسوم ويضخمه فيجد نفسه يتنازل عن الطموحات فليس بالإمكان أفضل مما كان دون أن يجرؤ على طرح السؤال الأجدر بالطرح لماذا تقسط الآمال وتخفض السقوف ويكتفى بالنشيد (إذا الشعب يوما اراد الحياة) حتى لكأن النشيد وضع للتعزية والتنصل من دفع الطموحات إلى مداها.

وعندما يرد المرء بأن هذا الخطاب القدري محبط وأن مقدمات كثيرة موضوعية تجعل تونس مختلفة عن غيرها ولها الحق في أن لا ترضى بالقليل يعضد خطاب التبرير السابق بالإحالة على الشروط الموضوعية وعلى الظرف الدولي وعلى القوى المتربصة الخ ..وينسى المبرّر أمرا مهما هذا الظرف الدولي كان دوما قبل الثورة وبعدها ضد كل تغيير في المنطقة وبالتالي فالثورات تتحرك دوما في ظرف معاد وعوض التبرير به وجب العمل داخله وتحمل كلفة مواجهته.
عند هذه النقطة يقف خطاب التبرير أمام وهنه الذاتي بالتقصير في الداخل وتهافته على استسهال الحلول السندويتش لمشاكل متخلدة تستحق طبخة كاملة وعلى مدى طويل وكاف لبدء تغيير عميق يكون فعلا ثمرة ثورة متميزة.

الوهن الداخلي لنخبة رجعية

خطاب التقييم الجدّي لمنجزات الثورة يصل إلى كشف الهوان الذي تعيشه النخبة السياسية والثقافية للبلد. وتهرب من كشفه لأن في كشفه انكشافها وخسرانها لغنائمها السريعة التي تكالبت عليها ونسيت مطالب الثورة الحقيقية التي فتحت لها بعد عقود الدكتاتورية باب الفعل فاكتفت بالغنم السريع دون التأسيس.

لقد  تعرّضت الثورة إلى خيانة كبيرة ناتجة عن الصراع الذي يشق النخبة بين تيار الحداثة اليسراوي وبين الإسلاميين ومنذ اليوم الأول لسقوط رأس النظام. ويمكننا اليوم أن نمرر كل الوقائع التي عاينها بعد 14 (يناير) لنجد أن كل ما حصل كان محكوما بذلك الصراع ومنه تسربت الأخطاء الصغيرة والكبيرة القاتلة. وكلّما تجلّت هذه الحقيقة أمعن المحتربون (بلا سلاح بعد) في الهروب إلى الأمام واختلاق بؤر توتر تعمق الخلاف ولا تتجاوزه كأنها تعيش منه بل لعلها تعيش منه فعلا ويشكل عندها سببا للبقاء. من هذه الزاوية فإن الثورة لم تحقق أي مكاسب بعد بل تتراجع لتقف على شفير الحرب الأهلية لولا قليل من حرية.

الحرية والنخبة عدوان لدودان

صرخت إحدى المتكلمات أمام هيئة الحقيقة والكرامة ليلة 17 (الحرية تبني ولا تهدم) فكشفت عن وعي شعبي متقدم جدا على النخبة التي كلما اتسعت فجوة الحرية ضيقتها. بما عرى مفارقة الثورة في تونس (وربما يمكن القول الثورة العربية كلها) أن النخبة الفكرية والسياسية تعادي الحرية. نقف الآن على حقيقة فاجعة أن ليس النظام البائد من كان يعادي الحرية بل النخب المعارضة السابقة وقد صار الأمر اليها بعد حرمان فكشفت عن خوف من الحرية التي تربكها بالنقاش حول المستقبل.

في الحرية تطرح الأسئلة الشعبية التي لا تجامل عن قدرات الأحزاب والنخب وأفكارها ومشاريعها. الأسئلة في سياق حرية تعرّي العجزة. وقد عرت هؤلاء فتبين أنهم أعجز عن الحكم والإدارة والتفكير من النظام البائد.

ست سنوات من الثورة لم نقرأ إلا الشعارات الكليانية الكبرى ولم نجد برامج حقيقية رغم تكرر الانتخاب. وهنا نفهم سبب الإبقاء على نواة الخلاف الصلبة بين الحداثيين واليسار والإسلاميين أي المعركة الهووية. التي كلما سقط منها فصل استعيد آخر. نعم الانشغال بهذه المعركة وشغل الناس بها ينقذ أصحابها محترفي الصراع الهووي ويخرب البلد. إذ يمنع من طرح الأسئلة الحقيقة عن المستقبل ويغدر بالثورة.

سؤال المستقبل في فجر السنة السابعة.

هل ستكمل تونس طريقها بهذه النخبة الكسولة العاجزة؟ الإجابة للأسف نعم. لا أفق للثورة وللبلد بهذه النخبة ولا أفق دون كسر هذه النخبة وتفكيكها. لكن كيف؟ وبمن؟ والبلد لم يخلق بديلا لها بعد ولن يخلقه مادامت قائمة عليه تمنعه من دفع حدود الحرية إلى مداها؟ لقد حدث خطأ جميل في السياق هو شحن الدستور بباب جديد هو الباب السابع منه المتعلق بالحكم المحلي. ويعود الفضل في فرض هذا الباب إلى المجموعة البرلمانية من أنصار الرئيس المنصف المرزوقي والذي يشهد له أنه عاش تجربته الفكرية والسياسية دوما خارج الصراع الهووي الممزق للنخبة. هذا الخطأ الجميل لا يزال معلقا في الورقة الصقيلة التي كتب عليها الدستور. ونعتقد أن مستقبل الثورة مرهون بوضع هذا الباب حيز التطبيق.

الحكم المحلي يعني نقل سلطة القرار من المركز البيروقراطي إلى الجهات بواسطة آليات الانتخاب التي ستنتهي بتفكيك النخب المتمركزة حول السلطة في العاصمة وستعطي فرصة كبيرة لظهور نخب محلية تعيش مغمورة بحكم الهيمنة المركزية. ولا تجد الأماكن وسبل التأثير حتى داخل أحزابها.

من هنا يبدأ تفكيك النخبة التقليدية لصناعة بديل عنها يكون مشدودا إلى صراعات اليومي التنموي المعيشي المحلي ويشرع في التدرب الطويل الأمد على إدارة الحكم وابتكار الحلول التنفيذية خارج المقولات الايديولوجية الهووية المريحة للنخب المتكلسة.

نقل الصراع في المكان (من المركز إلى الأطراف) ونقله في المضامين (من الهووي إلى التنموي) ضمن سياق تحرر داخلي أولا وقبل الانشغال بما قد يرفضه الظرف الدولي الفزاعة التي تستعملها النخبة لتخيف شعبها الطامح إلى التغيير.

هذه العملية ليست سهلة بالمرة ويمكن أن تفجر صراعات محلية صغيرة في واقع لا تزال تشقه ولاءات تقليدية وانتماءات من قبل الدولة ولكن مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة وهذه الخطوة المنقذة لأفق الثورة ومشروعها ومستقبل البلد. وما لم تحتكم النخبة إلى الدستور وفي باباه السابع بالذات فإن الثورة والبلد سيظلان يدوران في حلقة مفرغة من الحلول السندويتش. التي تنقذ النخبة الكسولة من الانهيار وتدفع البلد إلى هاوية. حتى الان كان الثورة بؤرة نور كشفت مخابئ نخبة من الخفافيش ولكن النور ينتصر دوما ونأمل أن ذلك قدر معمد بالدماء.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"