تقول لافتة جانبية في حجرة خافتة الإضاءة في متحف كيجالي التذكاري للإبادة الجماعية في رواندا إن "الإعلام المحرض" لعب دورا كبيرا في التمهيد للمذابح التي راح ضحيتها 800 ألف شخص في أعمال قتل جماعي استمرت 100 يوم.

وتشير لافتة أخرى لـ(حسن نجيزي) الصحفي المنتمي لقبيلة الهوتو الذي حرض قبيلته على جمع السلاح للاستعداد لقبيلة التوتسي بصحبة إعلاميين آخرين ممن صنعوا "إعلام الكراهية" شهورا قبل المذبحة.

وقبل أيام من بدء الشرارة الأولى للإبادة بإسقاط طائرة الرئيس الرواندي في 7 أبريل 1994 في تمام الساعة 8:23 دقيقة مساء ذلك اليوم المشؤوم، كتب نجيزي متوقعا اغتيال الرئيس ما اعتبره البعض تورطا واضحا له في المذابح اللاحقة التي انطلقت في الساعة 9:10 مساء بقوائم معدة مسبقا للتصفية.

قتل خلال مائة يوم فقط من المذابح الجماعية في رواندا نحو 800 ألف شخص في عام 1994 على يد متطرفين من قبائل الهوتو الذين استهدفوا أفراد أقلية التوتسي بالإضافة إلى خصومهم السياسيين الذين لا ينتمون إلى نفس أصولهم العرقية.

ينتمي نحو 85% من الروانديين إلى إثنية الهوتو، غير أن أقلية التوتسي هيمنت على البلاد لفترة طويلة. في عام 1959 أطاح الهوتو بالحكم الملكي للتوتسي وفر عشرات الآلاف منهم إلى دول مجاورة من بينها أوغندا، وشكلت مجموعة من التوتسي في المنفى جماعة متمردة أطلق عليها (الجبهة الوطنية الرواندية) التي غزت رواندا عام 1990 واستمر القتال إلى أن أبرم اتفاق سلام عام 1993.

وفي 7 أبريل عام 1994 أسقطت طائرة كانت تقل الرئيس الرواندي آنذاك جوفينال هابياريمانا ونظيره البوروندي سيبريان نتارياميرا وقتل جميع من كانوا على متنها، وأنحى متشددو الهوتو باللوم على جماعة الجبهة الوطنية المتمردة وبدأوا على الفور حملة منظمة للقتل، وقالت الجبهة الوطنية الرواندية إن الهوتو هم من أسقطوا الطائرة كذريعة لتنفيذ إبادة جماعية.

سُلمت قوائم بالغة التنظيم بأسماء خصوم الحكومة إلى الميليشيات الذين ذهبوا وقتلوهم وجميع أفراد أسرهم، وقتل الجيران جيرانهم كما قتل بعض الأزواج زوجاتهم المنتميات للتوتسي وقيل لهم إن رفضوا فسوف يقتلون! وكانت بطاقات الهوية الشخصية في ذلك الوقت تتضمن تحديد الانتماء العرقي، ومن ثم أنشأت الميليشيات نقاط تفتيش في الطرق حيث كان يجري قتل التوتسي. كما احتجزت الآلاف من نساء التوتسي لاستغلالهن في إشباع الرغبات الجنسية.

كان لدى الحزب الحاكم في ذلك الوقت، الحركة الوطنية الجمهورية من أجل الديمقراطية والتنمية، جناح شبابي يطلق عليه اسم (إنتراهاموي)، تحولت إلى ميليشيا تنفذ المذابح كما سلمت الأسلحة وقوائم الاغتيال لجماعات محلية كانت تعرف بالضبط أين تجد أهدافها كما أنشأ متطرفو الهوتو محطات إذاعية وصحفا تنشر الكراهية وتحث الناس على "التخلص من الصراصير"، أي قتل التوتسي.

وكانت الإذاعة تبث أسماء الأشخاص الموجودين على قوائم القتل، حتى القساوسة والراهبات تم استهدافهم بالقتل بسبب حماية بعض ممن لجأ إلى الاختباء في الكنائس.

استحضار التجربة الرواندية هام خلال هذه الأيام للتحذير من خطر (التحريض الإعلامي) المستمر في مصر ضد كل من لا يؤيدون النظام وضد الإسلاميين بالطبع، موجات الكراهية في مصر لا تتوقف والتحريض يتصاعد تارة للتغطية على إخفاقات النظام وتارة لجعل المجتمع دوما في حالة خوف وترهيب من عدو قد يكون عدوا وهميا في الحقيقة لكنه يمثل شماعة لتخويف الناس.

الحقيقة أن التحريض الإعلامي في مصر لا يقتصر على إعلام السلطة والموالين لها فهناك أيضا وسائل إعلام مضادة معارضة من الخارج تحرض ضد المواطنين الأقباط بسبب موقف الكنيسة السياسي من السلطة الحالية.

هناك جنون متصاعد يحول المجتمع لجزر منعزلة تتبادل الكراهية وتدمن التشفي، كلما لاح الحديث عن مصالحة وطنية في مصر يخرج غربان الخراب من الناحيتين ليقوموا بالمزايدة على الجميع، يتشدق هؤلاء باسم الوطنية ويتحدث الآخرون بحق الشهداء، ليخلقوا فزاعة مستمرة ضد هذا الاتجاه الذي لا بد أن تسلكه مصر في أقرب فرصة.

لم يقتل في مصر مليون شخص مع الاحترام والتقديس والإجلال لكل نقطة دم سالت لبريء مغدور أيا كان فكره واتجاهه، المصالحات الوطنية لا تعنى تضييع الحقوق، المأساة في رواندا كانت أشد فظاعة مما حدث في مصر، ومع ذلك خطا المجتمع للأمام.

الحكومة التي جاءت بعد الإبادة الجماعية في رواندا ركزت جهودها لتوحيد المجتمع وإنهاء الثارات من خلال سياسة "الاتحاد والمصالحة". عبر (نظام الغاكاكا) وهو ما شكل من أشكال العدالة مستوحى من التقاليد، تم تأسيسه للتعامل مع مئات الآلاف من الأشخاص المتهمين بالجرائم أثناء الإبادة الجماعية.

رواندا تنهض اقتصاديا اليوم وتتحول إلى مركز تكنولوجي ويركز المجتمع جهوده للتخلص من آثار الماضي البغيض الذي جعل الرجل يقتل زوجته والصديق يذبح صديقه، بينما نستيقظ وننام في مصر على أبواق الكراهية التي تصر على حبس مصر ومستقبلها في فترة أحداث ثلاث سنوات بائسة. 

لا نهضة اقتصادية ستحدث لمجتمع ممزق ومتصارع وتتفشى فيه الكراهية، بالإضافة إلى حالة الفراغ التي يملأها التطرف والإرهاب الذي يمثل خطرا داهما ضد الجميع وهو يكفر الكل من اليمين إلى اليسار.

تعلموا من رواندا ومن قبلها جنوب إفريقيا، الكراهية ستدمر المستقبل!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"