مات فيدل كاسترو ونعاه الملايين، في جميع القارات، ليس لأنه كان ماركسيا شيوعيا، بل لأن الإنسان السوي يحترم من يثبتون على مبادئهم، مهما جابهوا في سبيل إعلائها من صعاب.

ولو اختار كاسترو أن يداهن وأن يسترضي الولايات المتحدة التي أحكمت الخناق حول بلاده لنحو ستة عقود، لعاش ومات منبوذا في كل مكان كما حدث لشاه إيران، الذي كان عميلا مأجورا لواشنطن، وبالتالي محتقرا من كل الشعوب المتطلعة للحرية، وعندما فقد عرشه، نبذه الأمريكان، وطار به أنصاره من بلد إلى آخر ليجدوا له قبرا يواري جثمانه، ولم يجد من يقبل به ميتا سوى الرئيس المصري الراحل أنور السادات، ومن بعده جاء الدور على ديكتاتور الفلبين فيردِناد ماركوس، ورفض الأمريكان أيضا أن يقضي ساعات عمره الأخيرة في بلادهم، وطافت به عائلته وهو بين الموت والحياة عددا من البلدان حتى ووري الثرى في هاواي (تم نقل رفاته وإعادة دفنه في بلاده في نوفمبر المنصرم، وكان قد قضى العشرين سنة الأخيرة في صندوق في مسقط راسه، وما زال عشرات الآلاف يتظاهرون يوميا في الفلبين احتجاجا على تلويث تراب بلادهم بجثمانه).

والشاهد هو أن الناس يحترمون كل إنسان يتحلى بالصمود والجسارة والاستعصام بالمبادئ، حتى وإن خالفوه الرأي والفكر، ولهذا لم يكن مستغربا أن يقول الشاعر  المصري عبد الرحمن الأبنودي أبدع الشعر في خالد الإسلامبولي قاتل الرئيس المصري الأسبق أنور السادات:

بطل يقول ويطول اسمر
ولا يسابقه القفص في الطول
من غير سؤال بيقِر

والقبضه قابضه ع الحديد لا يفر
القاضى يستغبى
والمتهم بيصر
شمس الحقيقه تحِر
والمتهم صامد
كل القضاه زايلين
والمتهم .... "خالد"

ذلك أنه ما أن بدأ محاميه في سوق حججه لدفع تهمة قتل السادات عنه، حتى أمسك الإسلامبولي بقضبان القفص الحديدي في المحكمة وصاح: أنا قاتل فرعون. ولم يكن الأبنودي "إسلاميا" – دعك من أن يكون جهاديا – ومع هذا رأى في إقرار الرجل بفعلته بكل ثبات، أنه لم يكن يريد اللف والدوران المعتاد في المحاكم، لإيجاد ثغرة هناك أو هناك لإثبات أو نفي التهمة، ويستعجل صدور الحكم الحتمي (الإعدام)، لأنه اشترك أصلا في الطابور العسكري في 6 أكتوبر 1981، وهو موقن بأنه  هالك  لا محالة، فور إطلاقه  النار على السادات وهو جالس على المنصة يستعرض الطابور.

وهكذا، ورغم  أنني ضد الاغتيال كأداة لتحقيق أي غاية، فقد أكبرت  في الإسلامبولي تحمله الكامل والصريح لمسؤولية ما اقترفت يداه، وكما قال الأبنودي فإن القضاة "زايلين"، ولم يعد أحد يذكر من هو القاضي الذي نطق بالحكم بالإعدام على الاسلامبولي، ولكن الرجل الذي وقف أمام تلك المحكمة "خالد"، في ذاكرة التاريخ.

ومثل ملايين غيري لم أكن أكِنُّ أي قدر من الإعجاب الرئيس العراقي الراحل خلال سنوات حكمه، ولكن شموخه أمام المقصلة، وهو يستخف بصراخ  من هتف: عاش مقتدي.. عاش مقتدى، بالتساؤل: هاي المرجلة؟ ثم وهو يهتف: الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل، والحبل يوضع حول عنقه، بشهادة موفق الربيعي، مستشار رئيس الوزراء العراقي لشؤون الأمن وقتها.

كل ذلك يجعلك تحس بالاحترام الشديد لرجل كان في تلك اللحظة، يعلن بدون حاجة الى كلمات أنه يتحمل كافة تبعات سياساته  وقراراته، وتتذكر أنه كان على استعداد للموت في سبيل مبادئه – التي قد تخالفه فيها بالطول والعرض – حتى وهو طالب على كرسي الدراسة، عندما اشترك في محاولة اغتيال الرئيس العراقي الأسبق عبد الكريم قاسم في شارع عام في بغداد.

وعند وفاة كاسترو ترددت في ذهني عبارة "آخر العمالقة"، ورغم أنهما كلمتان مسهوكتان ومستهلكتان، إلا أنني مثل الكثيرين من أبناء وبنات جيلي نعتقد أن كاسترو كان بكافة المعايير عملاقا عاصر عمالقة ملأوا الساحة الدولية عنفوانا وفعلا، وكان القاسم  المشترك بينهم الدخول في مواجهات مكشوفة مع سياسات الولايات المتحدة، ودعم حركات التحرر الوطني في كل القارات من الاستعمار بشكليه القديم والجديد.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"