وطني في خطر قال الأديب الراحل" مصطفي صادق الرافعي" من لم يضف للحياة شي فهو زائدًا عليها، في هذه المقولة إشارة إلي أهمية العلم والتعلم والجد والاجتهاد في الحياة وفي طلب العلم والعطاء وقد كانت امتنا العربية ذات يوم رائدة في مجالات العلوم بشقيه الاجتماعي والطبيعي وكان لنا باع طويل في الثقافة والمعرفة حتى علمنا الأمم وكنا نقود العالم بعلمنا وحضارتنا وترك لنا الأجداد من العلماء ارث كبير من العلوم ومؤلفات كانت الأساس في النهضة التي حققها الغرب، هذا علي الرغم من أن الوسائل التكنولوجيا ووسائل العلم الحديث التي ظهرت في عصرنا لم تكن موجودة ولم يتوصل الإنسان إلي اكتشافها بل كان كل شي يسير بشكل بدائي ولكن كانت هناك رغبة نحو التعلم والتباحث والبحث عن المعرفة لأنه كان الأجداد علي علم منذ ألاف السنين بأهمية العلم في نهضة الأمم والمجتمعات . ولعل الظاهرة الأخيرة التي انتشرت في عدد من الدول العربية وبالتحديد في دول شمال أفريقيا والتي ارتبطت بالغش الجماعي وتسريب امتحانات الثانوية العامة كانت بمثابة المؤشر الحقيقي نحو قراءة ومعرفة ما وصل له عالمنا العربي من انهيار وتدهور لمنظومة من أهم ما حرص عليه ديننا الإسلامي وهي ظاهرة الأمانة في طلب العلم وعدم الغش، ولكن ما حدث من تسريب للامتحانات لا يجب النظر إلية علي انه حدث عارض سيأخذ وقته وينتهي مثل معظم القضايا الاجتماعية التي تخص المجتمعات العربية لأنها قضية تشير إلي مستقبل هذه الأمة والأجيال القادمة علي هذه الأرض ، فالقلة القليلة التي ظهرت وأقبلت علي الغش، في يوم من الأيام سوف تكبر وتتخرج من الجامعة وتتولي وظيفة في مكان ما وبالتالي سيكون الغش وعدم الأمانة ليس فقط في الامتحان بل في التعاملات الشخصية والتعامل مع الآخرين هو الحاكم والفيصل في شخصية هؤلاء وبالتالي انهارت منظومة الأخلاق والقيم لأنه بذلك سيصبح كل شي بعيد عن الأخلاق وعن الرقي في التعامل.ولكن لا يوجد ظاهرة تظهر بشكل عارض أن لم يكن لها مجموعة من العوامل والأسباب التي كانت تدفع بها و التي يمكن أن تساعد في عملية تفسير الدافع الحقيقي لتسريب الامتحانات في دول مصر والجزائر والمغرب. ما هي الأسباب؟ الأسباب التي تفسر سبب هذه الأزمة في الدول الثلاث وفي الوطن العربي تكاد تكون واحدة حيث من بينها :
• انسحاب الدولة من التعليم وترك القطاع الخاص والشهادات الأجنبية تدخل وتقدم شهادات وتقدم مناهج من هنا ومن هناك تحت حجة تطوير التعليم حتي أصبح هناك فجوة كبيرة بين التعليم الذي تقدمه الحكومة وبين التعليم الخاص لان هذا التعليم في الغالب لا يتماشي مع تعاليمنا ومع ثقافتنا .
• الكثير من الدول العربية لم تواكب التطور بشتي صوره حتي أصبحت المعامل العليمة والأدوات التعليمية تحتوي علي أجهزة عفي عليها الزمن
• عدم الإنفاق الكافي علي التعليم هذا بالرغم من انه في ماليزيا علي سبيل المثال عندما تطورت اهتمت بشكل أساسي بالتعليم وتوجهت نحو ضخ غالبية مواردها في تطوير وبناء منظومة تعليمة قوية كانت هي السبب الاساسي في النهضة التي تعيشها هذه الدولة .
• انهيار في منظومة القيم والاخلاق في المناهج التعليمية العربية وأصبحت بعيدة عن غرس القيم الأخلاقية والدينية التي تساعد علي خروج وتربية جيل قادر علي النهضة والتقدم .حيث غابت كل الموضوعات الأخلاقية التي تحرص علي غرس قيم الحق والأمانة والعلم والتقدم بل ان الطالب عندما يصل الي مرحلة الجامعة يدخلها ولا يدرس اي شى عن الدين او حتي مقتطفات من التربية الإسلامية او المسيحية هذا علي الرغم من ان هذه المرحلة العمرية من عمر الشاب او الفتاة من اخطر مراحل حياته والتي تحتاج الي من يعمل علي تنبيه الشاب بالدين والأخلاق وغيرها من الصفات الحسنة
• وجود فجوة كبيرة بين التطور التكنولوجي والعلمي وبين سياسة وأسلوب الإدارة التعليمية وهذا هو السبب القوي وراء عدم قدرة الدول علي التصدي لظاهرة الغش الالكتروني لان الأساليب والأدوات التكنولوجيا أصبحت أكثر واكبر من قدرة القائمين علي التعليم أن يتصدوا لها ، فلك ان تتخيل عزيزي القارئ انه روي لي ذات يوم صديق أن معلمة الخاص لا يعرف ما هو الايميل ، فهل عقول بهذا الحجم قادرة علي التصدي لوسائل التطور التكنولوجي؟، وأنني اعفي التكنولوجيا من هذه المشكلة لان التطور لم يكن ذات يوم هدفه تدمير الانسان أو تحطيم القيم بل أن الانسان هو من يستخدم هذه الوسائل إما للخير أو للشر
• تبعية التعليم للإدارة السياسية ولتوجهات السياسة العامة وهذا خطر كبير حيث لابد ان يكون هناك استقلالية في إدارة التعليم بحيث يكون هناك أهداف ثابته تضعها الوزارة وتظل ثباته من دون تغير حتي مع تغير الوزير لانه من المفترض أن كل دولة لها مجموعة من الأهداف التي تضعها وتسير عليها مع ضرورة ان تواكب هذه الخطط التغيرات بشكل مستمر من حيث اخذ الأساليب والأدوات الحديثة في التعليم من دون أن يتم تغير الأهداف ما الحل ؟ ولعل من أشهر أسباب الحل ما يمكن رصده علي الصورة التالية
• تنقية وتطوير المناهج التعليمة وضرورة البعد عن سياسة حشو المناهج بمعلومات قد لا تفيد لا من قريب ومن من بعيد
• الاهتمام بالمواد الدينية بحيث تضاف الي المجموع الكلي للطالب وضرورة أن تدرس هذه المواد حتى وصول الطالب إلي المرحلة الجامعية بحيث تقرر مواد الدين علي كل الكليات بشتى صورها بالإضافة إلي مواد التاريخ التي يجب أيضا أن تدرس وتعمم علي كل الطلاب وكل أنواع التعليم لأنه من لا يعرف ماضيه لا يعرف حاضره
• إدخال أساليب عليمة متطورة في طريقة الامتحان ووضع الأسئلة بعيدًا عن سياسة الحفظ والتلقين بحيث تكون الأسئلة تساعد علي الابتكار والتفكير وليس علي الحفظ والكتابة ، مع وضع خطة قصيرة المدى ولمدة 5 سنوات توضع فيها مجموعة من الأهداف تعكس المطلوب تحقيقه من التعليم في خلال هذه الفترة علي أن تقسم هذه الأهداف إلي خطط سنوية بحيث كل عام ينفذ جزء من هذه الخطة ويقياس المتحقق منها في نهاية كل عام .
• ضرورة ربط التعليم بسوق العمل بحيث يكون هناك مجلس للتعليم في كل دولة هذا المجلس مكون من أعضاء من الوزارات التالية ( وزارة التربية والتعليم – وزارة التعليم العالي - وزارة التجارة -وزارة القوي العاملة – وزارة الخارجية – وزارة التعاون الدولي ) هذا المجلس يجتمع كل عام للتنسيق عبر تقارير تصنعها هذه الوزارات حول رؤيتها لمتطلبات سوق العمل في الداخل والخارج ودور التعليم في السياسة الخارجية علي اعتبار انه وسيلة نفوذ ناعمة في العلاقات بين الدول وتقدم إلي وزارة التربية والتعليم و وزارة التعليم العالي لتقوم الوزارة بتنفيذ ما في هذه الدراسة من توصيات . ولذلك وفي الأزمة الحالية فأن إقالة وزير التعليم سواء في مصر أو في الجزائر أو المغرب علي اثر فضيحة تسريب الامتحانات ليس هو الحل لان هذه إجراءات هدفها تهدئة الرأي العام فقط من دون أن تكون حلول جذرية فالأزمة يجب أن تعالج من جذورها .