في أول مقابلة صحفية لها، خصت وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا صحيفة "ليبراسيون" بحوار، اعتبرت فيه أن روسيا تشن حربا "شاملة ومختلطة" لا تستهدف أوكرانيا فحسب، بل تسعى "لتقويض الاستقرار في العالم والنظام الدولي". لكن أهم ما لفت الانتباه في الحوار كان حديثها عن أن أوروبا ليست الهدف الوحيد "للإمبريالية الروسية"، إذ إن العالم بأسره يتأثر بالسياسة الروسية، وخصت بالذكر دول أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تميزت السياسة الروسية بـ"العدوانية" خصوصا في دولتي مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى.

وزيرة خارجية فرنسا، الدولة الاستعمارية "الكبرى" ووريثة "أمجاد" غزوات وحملات نابليون بونابرت، تستعمل لفظ "الإمبريالية" لوصف الصراع الحاد بين بلادها ودولة روسيا الاتحادية، طمعا في تكريس أو توسيع دوائر النفوذ في أفريقيا، وهو أمر كاشف على عمق الأزمة التي تواجهها باريس في التعامل مع إرثها الاستعماري البغيض في مختلف دول القارة السمراء، خصوصا مع إصرارها على تجاهل الدعوات المتصاعدة من داخل القارة بفتح الأرشيف الاستعماري وإتاحته للدراسة، ومن ثم التقييم واستخلاص الدروس والمسؤوليات.

يبدو أن الأزمة المتواصلة جراء الحرب بأوكرانيا وتأثيرها الواضح على تزويد دول القارة العجوز بالطاقة، تدفع فرنسا وغيرها من الدول الغربية، التي كثيرا ما تشدقت بمساعدة ومرافقة دول المستعمرات القديمة في طريقة التنمية والاستقرار وبناء النظام الديمقراطي، إلى القبول بالاستمرار في الدعم غير المشروط للديكتاتوريات القائمة، ضمانا لولائها المستمر منذ الاستقلال مهما تغيرت أسماء الجالسين أو الطامحين في حكم عروش أفريقيا.

المنافسة الروسية والإيرانية والتركية في القارة مستعرة، ولا تترك المجال لأي تردد أو تراجع قد تدفع فرنسا ثمنه انكماشا أكبر ونزيفا مزمنا لنفوذها الذي تراخى في كثير من البلدان


لم يعد الأمر مجرد استمرار في الدعم، بل تصعيدا فيه، فالمنافسة الروسية والإيرانية والتركية في القارة مستعرة، ولا تترك المجال لأي تردد أو تراجع قد تدفع فرنسا ثمنه انكماشا أكبر ونزيفا مزمنا لنفوذها الذي تراخى في كثير من البلدان.

إيمانويل ماكرون الذي سارع إلى زيارة عدد من بلدان القارة ردا على زيارات مماثلة للروس وغيرهم، كان قد اعتبر قبل سنتين أن هناك استراتيجية مضادة لفرنسا "يقودها القادة الأفارقة أحيانا، ولكن قوى أجنبية مثل روسيا وتركيا هي من تتولاها بشكل خاص، وتلعب على مشاعر الاستياء لفترة ما بعد الاستعمار". وأضاف بالقول: "يجب ألا نكون ساذجين، فالعديد من أولئك الذين تعلو أصواتهم، والذين ينتجون مقاطع فيديو، ويوجدون في وسائل الإعلام الناطقة بالفرنسية، تدفع لهم روسيا أو تركيا".

فرنسا التي جاهدت لعقود ضد فتح أرشيف المجازر التي ارتكبتها قواتها في كل البلدان الأفريقية دون استثناء، تجد نفسها اليوم محاصرة من كل الجهات، بدعم أجنبي أو دونه، لتكشف عن خزانها الأرشيفي وتعترف بعدها بمسؤوليتها، رغم كل التعنت والمقاومة التي تبديها طبقتها السياسية بيمينها وجزء كبير من يسارها.

في الكاميرون، صرح الرئيس الفرنسي بأن باريس مستعدة لفتح الأرشيف العسكري الخاص، بما وصفه "اللحظات المؤلمة" في تاريخ الكاميرون، في إشارة إلى جرائم الجيش الفرنسي هناك. وطالب الرئيس مؤرخي فرنسا والكاميرون العمل بشكل مشترك للتحقيق في أحداث الماضي وتحديد المسؤوليات. ستكون هذه الدعوة الثانية في الإطار بعد تكوين لجنة، برئاسة بنجامين ستورا، تكفلت منذ أشهر بإعداد تقرير يخص الذاكرة الاستعمارية بالجزائر، دون أن يفضي ذلك إلى خطوات عملية للاعتراف والاعتذار.

فرنسا التي جاهدت لعقود ضد فتح أرشيف المجازر التي ارتكبتها قواتها في كل البلدان الأفريقية دون استثناء، تجد نفسها اليوم محاصرة من كل الجهات، بدعم أجنبي أو دونه، لتكشف عن خزانها الأرشيفي وتعترف بعدها بمسؤوليتها


اليوم، يتحدث ماكرون عن تحديد المسؤوليات، وهو أمر مستجد في الخطاب الفرنسي، لكن هل يمكن تصديق التوجه الفرنسي الجديد، علما أن باريس لا تزال حتى اليوم متمنعة عن إعادة حتى القطع الأثرية التي نهبتها قواتها خلال الفترة الاستعمارية، لتزين بها رفوف متاحفها ومؤسساتها الثقافية التي تتصدر إشعاع قوتها الناعمة، الراغبة في تكريسها دولة للأنوار ولصيانة ودعم حقوق الإنسان؟

الإبقاء على الدعم العسكري للأنظمة القمعية الأفريقية، يؤكد أن المسألة مجرد لعب على المشاعر وامتصاص لموجة العداء المتنامية ضد باريس. والمتابع للشأن الفرنسي يلحظ كيف تحولت باريس قبل أيام إلى ملتقى مجمع ومرحب بطغاة بقعة جغرافية أخرى؛ لها كلمتها المسموعة في التأثير على تزويد الأسواق العالمية بمصادر الطاقة وتحديد أسعارها.

رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد كان هناك في أول زيارة خارجية له بعد اعتلائه الرسمي للحكم، وجاء بعده الرئيس الانقلابي بمصر. أما ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، فاستقبل في قصر الإليزيه، في تجاهل تام للشكاوى المرفوعة ضده على إثر جريمة اغتيال جمال خاشقجي، ولاعتراف باريس بـ"الولاية القضائية العالمية" في جرائم التعذيب والإخفاء القسري.

عندما تحدثت وزيرة خارجيتها عن أن دول أفريقيا والشرق الأوسط هي التي تتأثر بشكل أكبر بتحركات "الإمبريالية الروسية"، لم يجد رئيسها من حلول لـ"مساعدة" تلك البلدان غير تكريس الديكتاتوريات فيها ودعم استمراريتها في استنزاف الثروات وقمع الأصوات المعارضة وتكريس الاستبداد


اكتفى قصر الإليزيه بالتشديد على أن العشاء بين ماكرون وابن سلمان ضروري بالنظر إلى الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة، بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا والأزمة الغذائية في الشرق الأوسط والمخاوف المرتبطة ببرنامج إيران النووي. وأكد في بيان بالمناسبة، أن ماكرون سيتطرق للمسألة "كما يفعل كلما التقى محمد بن سلمان بشكل عام، وسينتهز المناسبة للحديث عن حالات فردية".

قلق باريس الحقوقي البالغ لا يهم في هذه الفترة الحرجة، غير وضع الفنانين والمخرجين السينمائيين في إيران، وكفى.

فرنسا التي فقدت -أو تكاد- مكانتها كشريك أول لدول المغرب العربي، وفقدت مكانتها العسكرية في مالي وفي جمهورية أفريقيا الوسطى، تجاهد ما استطاعت للإبقاء على مناطق تحت مظلتها تركز عليها الجهود باعتبارها مصدرا لا ينضب من الثروات الطبيعية التي ساهمت -ولا تزال- في "نهضتها" الاقتصادية وقوتها العسكرية. وعندما تحدثت وزيرة خارجيتها عن أن دول أفريقيا والشرق الأوسط هي التي تتأثر بشكل أكبر بتحركات "الإمبريالية الروسية"، لم يجد رئيسها من حلول لـ"مساعدة" تلك البلدان غير تكريس الديكتاتوريات فيها، ودعم استمراريتها في استنزاف الثروات وقمع الأصوات المعارضة وتكريس الاستبداد.

الحديث عن رفع وتيرة الاستثمارات مجرد تجميل لواقع السيطرة على الأسواق الأفريقية وثرواتها، أما تقديم الدعم العسكري لمواجهة "الإرهاب المحتمل"، فذريعة واهية للإبقاء على وجود القوات قريبة من مصادر الثروات المعدنية والسيطرة عليها


الحديث عن رفع وتيرة الاستثمارات مجرد تجميل لواقع السيطرة على الأسواق الأفريقية وثرواتها، أما تقديم الدعم العسكري لمواجهة "الإرهاب المحتمل"، فذريعة واهية للإبقاء على وجود القوات قريبة من مصادر الثروات المعدنية والسيطرة عليها. أما غير ذلك من فتح لملفات الجرائم الاستعمارية؛ فلا جديد يمكن للملفات أن تحمله مقابل الرواية الأفريقية، التي سطرها أجيال المقاومين بالدم دفاعا عن استقلالها، أو سعيا لتحرير دولها من التبعية وإنسانها من الإذلال.

اللقطة التي تم تداولها بشكل واسع في أثناء زيارة الرئيس الفرنسي لدولة بنين، حيث ربت ماكرون على كتف وزير الخارجية أوريلين أغبينونسي، بحضور الرئيس البنيني، قبل أن يسارع الوزير إلى مسح المكان الذي لامسته يد ماكرون، دليل آخر على أن العلاقة الفرنسية الأفريقية تحتاج إلى غربلة حقيقية، وإلى استراتيجية جديدة بعيدة عن الاستعلاء الفرنسي. لم يكن الموضوع مجرد قشرة شعر حاول ماكرون أن يمسحها من على سترة الوزير قبل أن يستكمل الأخير "تصرفه الودي" كما جاء في توضيحات لاحقة، بل هي صورة معبرة عن علاقة لم يعد بالإمكان أن تستمر وفق قاعدة اليد الفرنسية الطولى، التي تحدد المصير وترسم الطريق، و"نخبة" أفريقية تابعة تقبل العمل وكيلة مصالح ليس إلا. إن كان الأمر كذلك، فعروض القوى الأخرى المنافسة موجودة على الطاولة والمفاضلة بينها أمر ممكن، في ظل تراجع القوة الفرنسية وانحسارها.

قشرة شعر الوزير البنيني كناية عن قشور تراكمت في العلاقة بين الطرفين، دونما قدرة أو رغبة في نفضها أو إزالتها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"