شكّلت حادثة سقوط الرئيس الأمريكي، جو بايدن، عن درّاجته الهوائيّة، يوم الجمعة الماضي، صورة رمزيّة لحالة الإمبراطورية الأمريكية، الآيلة للسقوط عن تفرُّدها على رأس هرم العالم.


وشكّل قرار رئيس الحكومة الإسرائيلي، نفتالي بينيت، ورئيس الحكومة البديل، يائير لبيد، مساء أمس الأول، الثلاثاء، التوجّه لحل الكنيست، (البرلمان الإسرائيلي)، والتوجّه لإجراء دورة انتخابات عامّة، هي الخامسة خلال ثلاث سنوات، صورة واقعية عن مدى الإرتباك والتخبّط الذي وصلت اليه إسرائيل في تعاطيها مع “القضيّة الأصليّة”، التي تحاول التهرب من مواجهتها ودفع استحقاقاتها، وهي القضية الفلسطينية، بكل متفرّعاتها: الاحتلال والتمييز العنصري، والاستعمار، وحقوق اللاجئين.


لا يتم انهيار الكيانات السياسية فجأة. وتُعلّمنا دروس التاريخ أن لانهيار الدول والإمبرطوريات مقدّمات وعلامات تآكل، تتراكم وتتعاظم، ثم تبدأ في القضم والتدمير في الأطراف البعيدة، وينعكس تأثيرها على المركز. وفي بعضٍ قليلٍ من الأحيان، ينجح المركز في التيقّظ، ويعمل على معالجة نقاط الخلل، ليُؤخّر، قدر المستطاع، موعد السقوط المحتوم والمحسوم بسُنَن الطبيعة وقانونها الأول: “كلّ ما له بداية.. له نهاية”، في مسلسل دوائر متواصل، حيث تكون لحظة اكتمال أي دائرة، هي نفسها لحظة بداية تشكّل الدائرة الوارثة التالية.


رؤساء الحكومات الإسرائيلية الثلاثة الأحياء: ايهود براك، وبنيامين نتنياهو، ونفتالي بينيت، والذين لا يتفقون على شيء، تقريباً، يلتقون عند نقطة واحدة: ألخوف المُعلَن من “لعنة العقد الثامن” في التاريخ اليهودي، وأساطيره أيضاً:


ـ قال نتنياهو في دورة “حلقة التوراة”، التي عقدت في بيته قبل خمس سنوات، (حسب ما أوردته جريدة “هآرتس”، 10.10.2017): “عمّرت مملكة الحشمونئيم نحو 80 سنة فقط، ويجب أن نعمل لضمان نجاح دولة إسرائيل في بلوغ الـ100 سنة”.


ـ أما ايهود براك، فقد كتب مقالاً في جريدة “يديعوت أحرونوت”، 8.5.2022، قال فيه: “الثورة الصهيونية هي التجربة الثالثة في التاريخ اليهودي، وها قد وصلنا، ككيان سياسي ذي سيادة، الى العقد الثامن، .. لكن، لسنا الوحيدين الذين نواجه لعنة العقد الثامن. ففي العقد الثامن لإعلان الدستور الأمريكي اندلعت الحرب الأهلية في الولايات المتحدة. وفي العقد الثامن لتوحيد إيطاليا سنة 1860، أصبحت إيطاليا فاشيّة (وانهارت). وفي العقد الثامن لتوحيد ألمانيا، (بقيادة بسمارك)، أصبحت ألمانيا نازية (وانهارت). وفي العقد الثامن للثورة الشيوعية، تفكك الإتحاد السوفياتي”.

 

لا يتم انهيار الكيانات السياسية فجأة. وتُعلّمنا دروس التاريخ أن لانهيار الدول والإمبرطوريات مقدّمات وعلامات تآكل، تتراكم وتتعاظم، ثم تبدأ في القضم والتدمير في الأطراف البعيدة


ـ لحق بينيت بنتنياهو وبراك، وكتب على صفحته في وسائل التواصل الاجتماعي يوم 4.6.2022: “تفككنا سابقاً مرّتين بسبب الصّراعات الدّاخلية. الأولى بعد 80 سنة (من تأسيس مملكة داوود)، والثانية بعد 77 عاماً (من تأسيس مملكة الحشمونئيم)، ونحن الآن نعيش في حقبتنا الثالثة ونقترب من العقد الثامن، ونقف جميعاً أمام اختبارٍ حقيقيٍّ، فهل سنتمكن من المحافظة على (بقاء) إسرائيل؟”.


لكن دافيد بن غوريون، “مهندس دولة إسرائيل”، وأول رئيس حكومة لها، سبق هؤلاء جميعاً، حيث يروي ناحوم غولدمان، رئيس الحركة الصهيونية العالمية سابقاً، ورئيس المؤتمر اليهودي العالمي، أنه وصل إلى إسرائيل في أحد أيام صيف العام 1956، فدعاه بن غوريون إلى عشاء منفرد وسهرة في منزله.


يقول غولدمان في كتابه “المعضلة اليهودية”، عمّا دار في ذلك المساء، أنه بادر بن غوريون بالإطراء له، قائلا ما معناه: سيخلّدك التاريخ بأنك مهندس دولة إسرائيل، فرد عليه بن غوريون أنْ ربما أنّ ما تقوله صحيح، من حيث الدور السياسي الذي قيّض لي، وتابع: “إلا أن الدولة العصرية لا تقوم على ساق واحدة، الساق السياسية، تلزمها للإستمرار ساق ثانية هي السّاق الاقتصادية، وأنت (غولدمان)، مهندس اتفاقية التعويضات من “المانيا الغربية” (في حينه)، وضعت السّاق الثّانية لهذه الدولة، والتي تشكل، مع الساق الأولى، ضمانة لمستقبل إسرائيل.


يتابع غولدمان رواية ما دار من حديث في تلك الليلة في بيت بن غوريون، فيقول: بدا عليَّ التفاؤل، وكان بن غوريون متشائما. سألته عن سبب ذلك، فقال: “أعرف تماما أين سأُدفن: في دولة إسرائيل. وعندي تقدير: احتمال كبير أن يدفن ابني عاموس في دولة إسرائيل أيضا. أما حفيدي ألون، فليس لي ثقة بأنه سيدفن هنا (في دولة إسرائيل). عندها سأله غولدمان: «كيف تنام وكل هذا التشاؤم في رأسك؟»، فردّ عليه بن غوريون: «من قال لك إنني أنام».


بالمناسبة: دفن دافيد بن غوريون، الذي توفي يوم 1.12.1973 في كيبوتس “سدْيه بوكر” في النقب، قرب بئر السبع، أمّا عاموس، (الذي توفي عام 2008)، فقد دُفن في كيبوتس “عينات”، المُقام على جزء من أراضي قرية “راس العين” الفلسطينية، (وهي القرية التي أقيمت على أنقاضها واراضيها “روش هعاين” التي يقيم فيها بيني غانتس، وزير الدفاع الإسرائيلي)، وأما ألون، حفيد بن غوريون، فقد هاجر الى الولايات المتحدة، ويقيم في نيويورك.


هذا (بعضٌ) عن إسرائيل، وما توحي به شخصيات على رأس هرم القيادة والمسؤولية فيها، بخصوص “لعنة العقد الثامن”. فماذا عن الولايات/الدول الأمريكية المتّحدة؟ وواقعها الحالي، ومستقبلها، وهي الحامية لإسرائيل ومستقبلها؟.


بداية: تفرّد أمريكا على رأس هرم الرأسمالية العالمية، ومجموع دول الغرب الأوروبي، وتوابعها في قارّات العالم الخمس، دخل منذ سبع سنوات في عِقده الثامن، الذي شكّلت سنة انتهاء الحرب العالمية الثانية، 1945، بداية له. ويبدو بوضوح أن “لعنة العقد الثامن” تطالها أيضاً.


لم تبدأ علامات “لعنة العقد الثامن” في أمريكا لا اليوم ولا أمس. لم تبدأ في عهد الرئيس الأمريكي الحالي، جو بايدن. بدأت، (بوضوح)، منذ تولّى الرئاسة الأمريكية جورج بوش الإبن في مطلع الألفية الحالية، وهو مطلع القرن الحالي، في الحرب على أفغانستان، والحرب المستمرة على العراق. وتفاقمت علامات الإقتراب من “لعنة العقد الثامن” في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق، باراك أوباما، (رغم محاولته تفاديها من خلال ما تضمنته زيارته الأولى الى منطقتنا وعالمنا العربي، وخطابه الشهير في جامعة القاهرة، وهو الخطاب الذي كانت سياسة أوباما وإدارته نقيضاً، بالكامل، لما تضمنه ذلك الخطاب، ولما أوحى به)، وبلغت تلك العلامات ذروة غير مسبوقة في عهد الرئيس الأمريكي (الأرعن) السابق، دونالد ترامب، وها هي “اللعنة” تتحقّق في عهد الرئيس جو بايدن، من خلال ما نشهده من تخبط وارتباك ومكابرات في السياسة الأمريكية، على كل صعيد، وبدون استثناء.


هذه سياسة أمريكية حمقاء ودموية، تضحّي، أساساً، بدماء ودموع وعرق الشعب الأوكراني، وتضحّي بمكتسبات ما حققته شعوب الدول الغربية الحليفة لأمريكا، وتضحّي برفاهية ومكتسبات شعوب الولايات/الدول المتّحدة الخمسين ذاتها، وكلّ ذلك في سبيل وهْم القدرة على البقاء منفردة، على رأس هرم النظام العالمي.

٭ كاتب فلسطيني

 

(عن صحيفة القدس العربي اللندنية)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"