في المقالين السابقين عرضنا رسالة المثقف المنفي إلى الديكتاتور الذي يحكم البلاد بحديد السجون ونيران القمع، وفي هذا المقال نختتم الرسالة التي تصلح لكل زمان ومكان:

فليحيا الموت (1)

فخامة الرئيس: هل تعرف ألبرت شبير؟

إنه مستشار هتلر ووزير تسليح جيوشه، وقد كتب في مذكراته أن الفوهرر أمره بتدمير وحرق أوروبا لمنع تقدم جيوش الحلفاء (2)، لكن شبير لم ينفذ الأمر، وعندما استدعاه هتلر ليسمع تقريره عما حدث، قال شبير كما دون في مذكراته: لم أكذب، فقدت السيطرة على نفسي وقررت أن أكون صريحا واعترفت لهتلر بصوت منخفض أنني لم أدمر شيئا، بل حرصت بشدة على تجنب التدمير.

غضب هتلر حتى احمرت عيناه من الغضب، صرخ كطفل سادي انتزع أحدهم لعبته وتحدث عن النار وعدم الاستسلام، وأكثر ما كان يغضبه، لم يكن الحرب وشبح الهزيمة الحاضر في الأجواء، بل عصيان أحد مساعديه للأمر الذي أصدره. عصيان الأمر خطيئة لم تخطر ببال القائد قط، لأنه كان دائما محاطاً بالمتملقين الذين لا يجرؤون على قول أو فعل أي شيء إلا الطاعة وتنفيذ الأوامر.

لا تحدثني عن تحقيق الاستقرار وفن السيطرة الذي سمح لك بأن تبقى طويلا في قصر الرئاسة، فجميع الطغاة الذين أداروا أنظمة وحشية ظالمة بقوا في السلطة طويلاً


يا لفداحة هذا العصيان المعجزة.. إنهم مهرجون.. ثعابين.. يقودهم نسر صدئ.

أيها الرئيس..

لا تحدثني عن تحقيق الاستقرار وفن السيطرة الذي سمح لك بأن تبقى طويلا في قصر الرئاسة، فجميع الطغاة الذين أداروا أنظمة وحشية ظالمة بقوا في السلطة طويلاً: سالازار دام 44 سنة، تروخيو 31 سنة، سوموزا 39 سنة.. أنظمة تبدأ بالاغتيالات والدم، وتنتهي بالاغتيالات والدم، وتبقى البلاد تحت نيرانها بائسة وتعيسة..

لا تحدثني عن أي نجاح اقتصادي على حساب شعب مقهور مكمم الأفواه موزع بين السجون.. إن الشعب لا يستشار ولا يؤخذ برأيه، وعند التصويت يؤخذ برأي الأموات الذين يصوتون لصالح الطاغية دائماً.

لماذا يسبب رأي الشعب كل هذا الرعب لكم؟

هل تنجح دولة (أو حتى شركة) بهذا الأسلوب يا سيادة الرئيس؟

هذا لا يحدث إلا في الدول العفنة التي ترفع شعار: "فليحيا الموت".

لكننا في مقابل كل هذا القمع وكل هذا الخوف وكل هذا القتل.. في مقابل شعارك (فليحيا الموت) سنظل نردد شعارنا: "فليحيا الأمل".

الفيل يا ملك الزمان (3)

أنت قابع في قصرك، منهمك في إرهابك وقمعك، تصارع كوابيسك السوداء في الليل، وفي النهار تلقي بها في عموم البلاد لتقل الراحة والبسمة والأمان في نفوس الناس..

أنت قابع في قصرك، منهمك في إرهابك وقمعك، تصارع كوابيسك السوداء في الليل، وفي النهار تلقي بها في عموم البلاد لتقل الراحة والبسمة والأمان في نفوس الناس..


لا أحد يرغب في حياة تعيسة كهذه، لا أحد يرغب في بلاد كئيبة ومخنوقة كهذه، لا أحد يقتنع بمبررات قامع طالما وعد وأخلف.. كثيرون (شأنهم شأني) ينتظرون شرحا صادقا لما يحدث، علنا نفهم.

وفي الوقت نفسه، كلنا مقتنعون أن لا مبررات تشفع ولا شرح يفي بوعود جرفتها الأكاذيب..

متى ستنتهي دولتك من وضع القيود على الورود؟

متى يتوقف نشر الحقد والعنف والكراهية عبر أجهزة ومؤسسات تضخ السموم في عروق الحياة؟

لا أريد ولا يريد المظلومون أن يسمعوا تبريرا لظلم الملوك المحاطين بالمسوخ والبلهاء والمتملقين، يكفيهم ما يرون، ففي كل صباح بينما تهرع الأمهات والزوجات والشقيقات للبحث عن ذويهن في السجون، يصعد فيل أبيض على درج القصر لتسلية كارلوس نجل الملك فيليب وهو يتناول فطوره من كبد الشعب..

وقبل أن أمضي:

إليك هذه الرسالة من محكوم بالإعدام*

عزيزتي فلورا

أبنائي الأعزاء

أتمنى أن تكونوا بخير، أنا الآن بخير، في طريقي من السجن لمركز الإعدام.

تعرفون جيدا كم أردت أن أكون صالحا ونافعا للجميع.

لا أريد ولا يريد المظلومون أن يسمعوا تبريرا لظلم الملوك المحاطين بالمسوخ والبلهاء والمتملقين، يكفيهم ما يرون، ففي كل صباح بينما تهرع الأمهات والزوجات والشقيقات للبحث عن ذويهن في السجون


أود أن تعيشوا حياتكم بحظ أفضل من حظي، وأن تحرصوا على المشاعر الجيدة وتتركوا السيئة، فأنا ما زلت حتى النهاية متمسكا بالحفاظ على إحساسي بالعدالة ونفع الناس.

وأقول لأبنائي: كونوا طيبين كما ربيتكم، تمسكوا بقيمكم، ولا تفكروا بالانتقام من أحد، ولا تثأروا لموتي. كونوا مطيعين لوالدتكم ونافعين لمجتمعكم بقدر ما تستطيعون، فربما تساهمون في بناء مجتمع أفضل قليلا، ربما تساعدون في تثبيت مشاعر إنسانية أرقى، ومهما قست عليكم الظروف لا تنحرفوا عن أخلاقكم وحسن سيركم.

إني أرى الموت قادما، لكنني هادئ وقانع.. صدقوني.

أحبكم جميعا يا أبنائي، وأودعكم بقبلات من صميم القلب.

أما أنت يا فلورا، فعناقك أبدي، وصورتك مطبوعة في قلبي ولن يستطيع أحد انتزاعها منه، وتأكدي يا فلورا، أنهم في اللحظة التي يطلقون فيها النار على صدري، سأكون منشغلاً بإرسال قبلتي الأخيرة إليك.

كوني مطمئنة، فزوجك سيعرف كيف يموت، كما عرف كيف يعيش.

قبلاتي للجميع حتى آخر نفس.

التوقيع: مكاريو

(سؤال واستنكار)

على هامش الرسالة كتب السجين التالي في كشف الإعدام:

"عندما نادى الجلاد اسم مكاريو، عضّ ذراعي بقوة من غير أن ينطق شيئاً..".

فإلى متى يا فخامة الرئيس ستظل البلاد تعض على ذراع الصديق وهي تتعذب في صمت؟..

ــــــــــ
هوامش وتفسيرات:

* هذه الرسالة كتبها المؤلف الإسباني الشهير "فرناندو آرابال" في منفاه الباريسي ربيع عام 1971، ونشرت في العام التالي لكتابتها في عدد من بلدان العالم، لكنها لم تنشر داخل إسبانيا إلا عام 1978، بعد ثلاث سنوات من رحيل الدكتاتور فرانكو، الذي حكم إسبانيا بالحديد والنار من نهاية الثلاثينات وحتى أواسط السبعينيات. ومن هذا نفهم أن الجنرال المقصود في عنوان الرسالة هو فرانسيسكو فرانكو، بينما الجنرال المقصود في متن النص ليس فرانكو وفقط، قد يكون فرانكو أو ستالين أو تروخيو أو موبوتو أو سوموزا أو سالازار أو أي طاغية آخر، وهذا يعني أن الأحداث لم تحدث في إسبانيا وحدها، وإنما في إسبانيا وروسيا والدومينيكان وزائير ونيكاراجوا والبرتغال وأماكن أخرى..

عزيزي القارئ: ليس في الأمر خدعة، وليس هناك إسقاط أو مواربة أو خطأ: ليس خطأ أن تقرأ المقال من النهاية إلى البداية، وليس خطأ أن تقرأه من البداية إلى النهاية، ليس خطأ أن تقرأه بلا هوامش مفسرة، وليس خطأ أن تقرأ الهوامش.. الخطأ أن ينتقل ما حدث إلى المستقبل.. الخطأ أن تستمر القصة في التكرار المقيت، وتشابه المآسي مع تغيير الثياب واللغات والجلود والأماكن والأسماء.

(1) فليحيا الموت: عنوان مسرحية تحولت إلى فيلم سينمائي كتبه وأخرجه فرناندو آرابال، تدور أحداثه أثناء حكم الجنرال فرانكو، عن صبي يحاول أن يعرف سر اختفاء والده، فيكتشف أن أمه هي من وشى به تحت ترهيب شرطة فرانكو.

(2) يسمى تكنيك الحرق بمرسوم نيرون أو سياسة الأرض المحروقة، وقد وردت الواقعة في الترجمة محرفة، لأن هتلر لم يطلب من وزيره حرق أوروبا لتعطيل زحف جيوش الأعداء، لكنه طلب تدمير مؤسسات ومنشآت صناعية ألمانية حتى لا تقع بأيدي الحلفاء. وقد حدث ذلك في الأشهر الأخيرة للحرب العالمية الثانية عندما بدأت ملامح هزيمة هتلر بالظهور، لكن شبير لم ينفذ أمر القائد، مقتنعا بأن المصانع والمنشآت ملك الشعب وليست ملك الفوهرر. وقد تسبب ذلك في انهيار العلاقة بين الوزير والديكتاتور، حتى أن شبير اعترف في سيرته الذاتية بأنه خطط لاغتيال هتلر، لأنه لم يعد الشخص الذي قابله في البداية وأعجب به.

(3) من مصادفات التاريخ أن قصة كارلوس، نجل الملك الإسباني فيليب الثاني، مع الفيل، تكررت كلعنة أطاحت بالملك الأسباني السابق خوان كارلوس وأجبرته على التخلي عن العرش لابنه (فيلب السادس)، فقد أدى مقتل الفيل برصاص الملك إلى فتح ملف الفضائح الأخلاقية والمالية في فترة حكمه. والقصة تحتمل العودة إليها في مقال لاحق لبيان جوانب خفية من فساد الحكام وأسباب سقوطهم السريع وغير المتوقع، أما عنوان "الفيل يا ملك الزمان" فهو لمسرحية شهيرة من تأليف الكاتب السوري الراحل سعد الله ونوس، عن حاكم يدلل فيلا جامحا على حساب شعبه الفقير.

[email protected]

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"