حسب بيانات جهاز الإحصاء الحكومي للتجارة الخارجية المصرية خلال الشهور العشرة الأولى من عام 2021، بلغت قيمة واردات القمح 2.3 مليار دولار، حيث تبلغ نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح 40 في المائة، وفي ضوء زيادة سعر القمح عالميا خلال العام الماضي بنسبة 31 في المائة، فقد انعكس ذلك على ارتفاع أسعار القمح والدقيق والمكرونة في الأسواق المصرية، كما قامت المخابز بزيادة أسعار المخبوزات أكثر من مرة.

وبلغت قيمة واردات الذرة بنفس الفترة 2.25 مليار دولار، مع بلوغ نسبة الاكتفاء الذاتي من الذرة الشامية 51 في المائة، وفي ضوء زيادة أسعار الذرة عالميا خلال العام الماضي بنسبة 44 في المائة، ولكونها تشكل المكون الأكبر في الأعلاف للثروة الحيوانية، فقد ارتفعت أسعار الدواجن كما زاد سعر البيض لأرقام غير مسبوقة.

وساهم في ذلك ارتفاع سعر فول الصويا عالميا بنسبة 36 في المائة، والذي يدخل أيضا في صناعة الأعلاف. وقد استوردت منه مصر بما قيمته 2.1 مليار دولار، نظرا لبلوغ نسبة الاكتفاء الذاتي منه واحد في المائة فقط.

ونظرا لنمو سعر النفط الخام في العام الماضي بنسبة 73 في المائة، والذي استوردت مصر منه كخام ومشتقات بما قيمته 7.9 مليار دولار خلال الشهور العشرة، فقد قامت الحكومة بزيادة سعر عدد من المنتجات البترولية لثلاث مرات خلال العام، حيث لا يكفي الإنتاج المحلي الاستهلاك من البنزين والبوتاجاز والسولار.

واستوردت مصر بنحو 1.2 مليار دولار زيوت طعام، نظرا لتدني نسبة الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزيتية إلى أقل من عشرة في المائة، ومع نمو أسعار الزيوت عالميا بنسبة 66 في المائة فقد ارتفعت أسعار زيت الطعام محليا، حتى أن الزيت الذي توزعه الحكومة على البطاقات التموينية قد زاد سعره مرتين، وهو ما تكرر مع زيادة سعر السكر عالميا بنسبة 37.5 في المائة بالعام الماضي، مما دفع الحكومة لرفع سعر السكر التمويني.

لم تقتصر زيادة الأسعار في الأسواق المصرية على الطعام بل امتدت لسلع أخرى


زيادة جماعية بأسعار المعادن

ولم تقتصر زيادة الأسعار في الأسواق المصرية على الطعام بل امتدت لسلع أخرى، ففي ضوء زيادة سعر خام الحديد عالميا بنسبة 48.5 في المائة، والذي استوردت مصر منه بما قيمته 1.3 مليار دولار خلال الشهور العشرة، بالإضافة إلى ما قيمته 3.5 مليار دولار كمواد أولية من حديد ومواسير حديدية وأبواب حديدية، بإجمالي 4.7 مليار دولار لخام ومنتجات الحديد. وتكرر ذلك مع استيراد النحاس ومصنوعاته بقيمة 1.2 مليار دولار، والذي زاد سعره عالميا بنسبة 51 في المائة، ومع باقي المعادن الأساسية التي ارتفعت أسعارها جميعا.

وامتدت الزيادة السعرية إلى مجالات أخرى مثل مجال السيارات التي زادت أسعار بعض موديلاتها في الأسواق المصرية بنسب متفاوته حسب الطرازات وصلت حتى 20 في المائة. وقد استوردت مصر سيارات ركوب بما قيمته 2.9 مليار دولار خلال الشهور العشرة، بخلاف 1.3 مليار دولار لأجزاء السيارات وأنواع أخرى من السيارات مثل النقل والجرارات والميكروباص وغيرها.

وارتبط بارتفاع أسعار الواردات مثل اللحوم التي زاد سعرها بنسبة 39 في المائة وغيرها؛ عامل إضافي تمثل في اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الشحن البحري ونقص الحاويات، إلا أن كل ذلك يكاد يمثل عاملا وحيدا من مصادر التضخم في مصر من بين نحو عشرة مصادر، منها حالة الطلب والذي يعبر منه معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية، والذي بلغت نسبة نموه 7.8 في المائة بالعام المالي الأخير (2020/2021)، وكذلك الزيادة بالإنفاق الحكومي في نفس العام المالي، والتي عبر عنها نمو الاستهلاك الحكومي بنسبة 8.6 في المائة بنفس العام المالي.

عاملان آخران يعبران عن حالة التوسع النقدي، هما النمو في عرض النقد والذي بلغت نسبته 17 في المائة في أيلول/ سبتمبر الماضي، والنمو في الائتمان والذي عبر عنه معدل نمو القروض المصرفية بنسبة 11 في المائة بنفس الشهر كآخر بيانات متاحة.

وهناك عوامل أخرى تعبر عن قيود العرض والعوامل الخارجية، وتتمثل في التغير في مؤشر أسعار الغذاء العالمي، والذي تعده منظمة الأغذية والزراعة وزاد بنسبة 28 في المائة بالعام الماضي، والتغير في مؤشر أسعار المعادن الأساسية والذي بلغ حسب البنك الدولي 46.6 في المائة بالعام الماضي، ومعدل التضخم في مجموعة السكن والمياه والكهرباء والمياه والغاز وباقي أنواع الوقود، وقد بلغ ذلك المؤشر حسب جهاز الإحصاء المصري 4.8 في المائة لكنه لا يتضمن أنواع الوقود الأخرى.

الغريب أنه بعد كل تلك العوامل التي أحدثت معدلات تضخم يئن منها المصريون، يخرج جهاز الإحصاء الرسمي بزعم أن معدل التضخم خلال العام الماضي قد بلغت نسبته 6.5 في المائة، تنخفض النسبة إلى 5.9 في المائة بالحضر وترتفع إلى 7.1 في المائة بالريف


تضخم سلبي بمحافظة حدودية شبه معزولة!

أيضا معدل التضخم في الدول المجاورة في الشرق الأوسط ووسط آسيا والبالغ 11.7 في المائة بالعام الماضي حسب صندوق النقد الدولي، وكذلك التغير في سعر الصرف الإسمى للجنيه المصري، والذي انخفض بنسبة واحد بالألف خلال العام الماضي ليصبح العامل الوحيد في مصادر التضخم الذي لم يساهم في زيادة التضخم نظرا لثباته النسبي، بسبب تثبيته إداريا من قبل المصرف المركزي المصري.

والغريب أنه بعد كل تلك العوامل التي أحدثت معدلات تضخم يئن منها المصريون، يخرج جهاز الإحصاء الرسمي بزعم أن معدل التضخم خلال العام الماضي قد بلغت نسبته 6.5 في المائة، تنخفض النسبة إلى 5.9 في المائة بالحضر وترتفع إلى 7.1 في المائة بالريف.

وحسب بيانات جهاز الإحصاء الحكومي في محافظات مصر السبع والعشرين، فقد تراوح معدل التضخم بها ما بين انخفاضه بنسبة سبعة بالألف في مدن محافظة شمال سيناء كأقل معدل، وحتى 7.6 في المائة كأعلى معدل بمدن محافظة المنيا، وبلغ معدل التضخم الرسمي 2.4 في المائة بمدن محافظة مرسى مطروح، و2.8 في المائة بكل من مدن محافظتي البحر الأحمر والأقصر، و2.9 في المائة بمدن محافظة بني سويف.

وهي أرقام لا تجد قبولا في المرة لدى سكان تلك الأماكن، فمحافظة شمال سيناء المجاورة للحدود مع إسرائيل تكاد تكون معزولة عن باقي المحافظات لأسباب أمنية، وبعيدة جغرافيا عن مراكز تجارة السلع، وتخضع سيارات نقل البضائع المتجهة إليها للعديد من نقاط التفتيش مما يزيد من وقت الرحلة.

كما تدخلت الإدارة المصرية للتحكم في سعر الصرف، فقد تدخلت في معدل أسعار المستهلكين لتعلن نسبة مخففة، لا تتسق مع نسب ارتفاع الأسعار في العالم، والتي زادت معها معاناة المصريين، لكنها تتسق مع السياق العام المتخم بأرقام رسمية لا تجد مصداقية لدى المصريين


ومحافظة مرسى مطروح تقع على الحدود مع ليبيا، ومحافظة البحر الأحمر تمثل أقصى مناطق الشرق المصري وبعيدة جغرافيا عن مصادر التموين بالسلع، ومحافظة الأقصر تبعد عن القاهرة 721 كيلومترا كما تبعد 747 كيلومترا عن ميناء السويس، وتبعد مسافة أكبر عن ميناء الاسكندرية الذي تدخل منه معظم الواردات، مما يزيد من تكلفة نقل البضائع الواصلة إليها ولباقي محافظات الحدود.

وإذا كانت البيانات الدولية تستخدم رقم التضخم بالحضر والبالغ حسب الجهات الرسمية المصرية 5.9 في المائة، فإن هذا الرقم يقل كثيرا عما أعلنته غالبية دول العالم لمعدل التضخم بها في العام الماضي، والذي بلغ 51 في المائة بالأرجنتين، و35 في المائة بإيران، و13.9 في المائة بجورجيا، و10.1 في المائة بالبرازيل، و10 في المائة بأوكرانيا المصدرة للحبوب، و7.4 في المائة بكل من المكسيك والمجر، و7.3 في المائة ببلغاريا، و7 في المائة بالولايات المتحدة الأمريكية، و5.2 في المائة بدول الاتحاد الأوروبي، و5.1 في المائة بإنجلترا، و5 في المائة بمنطقة اليورو.

وكما تدخلت الإدارة المصرية للتحكم في سعر الصرف، فقد تدخلت في معدل أسعار المستهلكين لتعلن نسبة مخففة، لا تتسق مع نسب ارتفاع الأسعار في العالم، والتي زادت معها معاناة المصريين، لكنها تتسق مع السياق العام المتخم بأرقام رسمية لا تجد مصداقية لدى المصريين، بداية من معدلات المشاركة والفوز في الانتخابات وحتى بيانات البطالة والفقر.

twitter.com/mamdouh_alwaly

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"