في كتابه "موت الغرب" يشير "باتريك جيه. بوكانن" إلى أن "الغرب الحالي يختلف عما كان عليه من قبل، وأنه لا يمكن وصف حاله اليوم بالحضارة. فالحضارة هي التي تقوم على أساس الأسرة، والحضارة كائن حي، وقد ماتت هذه الحضارة وما حل محلها ليس كائناً حياً، إنه مجتمع متذرذر بدون أمن، بدون دفء، إنه فوضى من علاقات متشظية ميكانيكية"، كما يؤكد أنه بعد "ذهاب الإمبراطوريات كلها أعفي الإنسان من واجبه نحو تمدين البشرية وتنصيرها، وهو يستغرق بالرفاهية، وبالإفراط في المتع الشخصية. ويبدو أنه قد فقد إرادته ليعيش وقبلت نفسه موته الوشيك".

لم يعد لديه وازع عن الاستهلاك حتى ولو كان سيستهلك ذاته نفسها، أصبح يعيش للاستهلاك، وللرفاهية وللمتع الشخصية والفردية. ولم يعد يكتفي بذلك، بل يسعى لفرض ذلك على الآخرين بكل ما أوتي له من قوة، بات يتعامل مع نشر مثل هذه القيم وكأنها "دين جديد" يفرض على البشرية للإيمان به والاعتقاد فيه، معتمدا على ما توفر لديه من مصادر قوة سياسية واقتصادية وتنظيمية لفرض ذلك على الآخرين ترهيبا وترغيبا، ومركزية دعوته لقيمه الاستهلاكية والفردية ورؤيته للحقوق الإنسانية التي لا تحتكم لأي معيار.

وكما أكد "بوكانن"، فإن "الحضارة التي يزعم الغرب أنه يمثلها قد ماتت"، وأنه الآن يريد للجميع أن يقفوا معه في نفس المربع الذي لا يوجد فيه إلا "الفوضى المتشظية الميكانيكية".

إن انتشار مثل هذه القيم والسلوكيات والتي يريد لها الغرب ألا تكون مستهجنة قد كانت مستنكرة بل ومجرمة عند الغرب نفسه، وقد تدرج في التعامل معها من التجريم إلى العقاب القاسي إلى مجرد الغرامة إلى القبول، وصولا إلى التشجيع والدعم والمساندة والدعوة، وبات يمارس سياسة التخويف لمن يتجرأ ويخالفها ويتهمه بمعاداة حقوق الإنسان وعدم احترام الحريات، ورفض الآخر، في الوقت الذي ينتهك حقوق الإنسان ويشارك في قتل الآلاف، دون أن يرجف له جفن في سبيل تحقيق مصالحه التي لن تتجاوز بضعة مليارات في بعض صفقات الأسلحة، مثلما كشفت عملية "سيرلي" والتعاون المصري الفرنسي في استهداف عمليات التهريب في الصحراء الغربية تحت ستار مكافحة الإرهاب. فالتهريب جريمة ولكن ليس عقابها القصف بالطائرات الحربية دون محاكمة أو فهم لأسباب الظاهرة ومعالجتها، والتي تحتاج لأقل بكثير من الأموال التي أنفقت في قتل المهربين.

لا يوجد أي تفسير منطقي لمثل هذا السلوك سوى تعارض المصالح، فمثل هذه الوقائع وغيرها تكشف عن ازدواجية معايير الغرب في التعامل مع حقوق الإنسان ونظرته المصلحية والوظيفية لها


ومن بين الدول الغربية أيضا "هولندا"، التي أصدرت تقريراً بعد مضي ما يزيد عن ثماني سنوات لتصف ما حدث في مصر عام 2013م بأنه انقلاب. بالتأكيد لا يوجد أي تفسير منطقي لمثل هذا السلوك سوى تعارض المصالح، فمثل هذه الوقائع وغيرها تكشف عن ازدواجية معايير الغرب في التعامل مع حقوق الإنسان ونظرته المصلحية والوظيفية لها.

فمن المهم - من خلال تلك المقدمات الأساسية - أن نؤكد على ملاحظتين جوهريتين تمثلان أهمية في ما يتعلق بمسألة حقوق الإنسان والمواطنة العالمية:

الأولى: أننا قد أشرنا في مقالات سابقة إلى نقد مفهوم الحقوق الإنسانية لدى الغرب؛ حينما لا يجعل تلك الحقوق لكل إنسان فيدخل مدخلاً عنصرياً، أو حينما يتلاعب بتلك الحقوق ومعاييرها، فيجعلها تعميماً إجبارياً في سياق تلك العولمة التي تُزعم تحت عنوان التنميط، وتعميم القيم الغربية على كل المعمورة بسكانها، فإن قال "الغرب" فلا اعتراض، وعليك أن تلتحق بقطارهم من غير أي سؤال، بما فيها: إلى أين يذهب بنا؟ وإلى أين يصل بالإنسانية؟ حتى وإن كان ذلك هلاكا وإهلاكا تحت عناوين براقة من الحقوق، ومن التشدق بالحرية.

اختراع الغرب لفكرتي "صدام الحضارات" و"نهاية التاريخ" لم يكن إلا محاولة للتأكيد على تلك الفروض الإجبارية التي يفرضها الغرب على كامل الإنسانية. وهو أمر لا يعني على الإطلاق أن هناك تياراً في الغرب يواجه مثل هذه الرؤية التي تتدنى بالإنسان تحت لافتة الحقوق وما هي بحقوق


هذه المسألة صارت من القضايا المهمة التي يجب أن نتوقف عندها في هذا المقام، فإن اختراع الغرب لفكرتي "صدام الحضارات" و"نهاية التاريخ" لم يكن إلا محاولة للتأكيد على تلك الفروض الإجبارية التي يفرضها الغرب على كامل الإنسانية. وهو أمر لا يعني على الإطلاق أن هناك تياراً في الغرب يواجه مثل هذه الرؤية التي تتدنى بالإنسان تحت لافتة الحقوق وما هي بحقوق، ولكنها فرض رؤية كانت لديهم مُجَرمة من قبل، وهو أمر يؤكد كيف أن الغرب قد تلاعب بتلك الفكرة التي اخترعها إنسانيا ضمن معرفيته وفلسفاته حول القانون الطبيعي، ثم انتقل بعد ذلك إلى حالة من العلمانية الفجة والإلحاد الصريح، ومواجهة أي فكر يستند إلى الإيمان.

ومن هنا فإن أستاذاً مبرزا مثل "كارل دويتش" توقف عند شكل العلاقات الدولية وظلمها وظلامها، وتلك العلاقات التي لم تنتج إلا حروباً وصراعات، فأكد أن اعتماد الفكرة الصراعية على هذا النحو التي سكنت كل الأفكار هي التي أدت إلى وجود تلك المظاهر المشوهة والشائهة؛ من علاقات ومن صراعات ومن حروب ونزاعات، فأكد على ضرورة أن نعيد تعريف العلاقات الدولية بأنها "فن الإبقاء على الجنس البشري لا العمل على فنائه". وما تلك الفكرة المخففة عن الشذوذ والنسوية الفجة إلا محاولات خطيرة متصاعدة تحاول أن تجعل من هدف الفناء والإفناء، وليس هدف العمران والبقاء والإبقاء.

أما الثانية فتتعلق بمفهوم الفطرة، ومن الملاحظ ضمن تطورات خطيرة معرفية وفكرية أنه بدا للبعض ألا يتواجهوا مع مسألة الإيمان فحسب، بل صار يعبر عن التضاد مع الفطرة بأشكال مختلفة، ويحدث صراعات مفتعلة فيؤدي بذلك إلى تشويه الحقيقة الإنسانية في أي معنى أو مبنى، في أي قيمة أو موقف.

المعنى المهم هنا ألا تكون دعوى الحقوق الإنسانية مدخلا لتعميم نمط يمثل تلك المركزية الحضارية الغربية، بما يعكس في حقيقة الأمر نظرة تشكل استبدادا حضاريا لتلك المنظومة من القيم الغربية. ومن هنا فإن تبني مفهوم المواطنة الإنسانية وليس المواطنة في صيغتها العولمية التي تفرض عملية تنميط إجبارية؛ إنما يشكل فهما يرتبط برؤية تهتم بالحقوق الإنسانية


ومن هنا فإن هؤلاء الذين اعتادوا على الهجوم على مقدسات دينية، وكذا على فطرة إنسانية، إنما يشكلون في حقيقة الأمر حالة ضد الإنسانية، ولا يمكن أبدا بأي حال من الأحوال السير في قطيع تقوده تلك الأفكار الخطرة والمنحرفة عن أصل الفطرة، تحت عناوين مثل حرية التعبير، وحقوق الإنسان في التعبير عن ذاته، والحرية في جسده، وتدمير كل العلاقات الأسرية مناهضة لسنة الزوجية التي تعبر في حقيقة الأمر عن فطرة إنسانية يجب احترامها في سياق الإبقاء على الجنس البشري وليس إفناءه.

إن المعنى المهم هنا ألا تكون دعوى الحقوق الإنسانية مدخلا لتعميم نمط يمثل تلك المركزية الحضارية الغربية، بما يعكس في حقيقة الأمر نظرة تشكل استبدادا حضاريا لتلك المنظومة من القيم الغربية. ومن هنا فإن تبني مفهوم المواطنة الإنسانية وليس المواطنة في صيغتها العولمية التي تفرض عملية تنميط إجبارية؛ إنما يشكل فهما يرتبط برؤية تهتم بالحقوق الإنسانية، كل الإنسانية وقيمها الكلية، لا محاولة فرض أنماط حياتها ومنظومتها الحضارية والمعرفية ضمن رؤية تقع في قلب مركزية هذه الحضارة الغربية؛ التي ربما تتطور مع التعصب وصعود الاتجاهات اليمينية إلى حالة عنصرية تغلف العلاقات الدولية بفكرة صراعية صدامية، وربما تؤثر سلبا على منظومة المفاهيم مثل حقوق الإنسان والمواطنة، وهو ما يكشف عن خطورة معرفية، وفكرية، وثقافية، وحضارية، وإنسانية.

twitter.com/Saif_abdelfatah

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"