كثيراً ما تحضرني الأمثلة التي ضربها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضوع التقرب إلى الله بالأعمال الصالحة في قصة الثلاثة الذين ألجئوا إلى الغار في ليلة ماطرة عاصفة قارصة.


في حكاية الأول درس ثمين عن بر الوالدين، والذي هو من أنبل الأعمال، وأجره عند الله عظيم، ويا لسعادة من أنعم الله عليه ببر والديه في حياتهما وبعد وفاتهما.


وفي حكاية الثاني عمل نبيل جداً، ألا وهو ردع النفس والنأي بها عن الوقوع في الفاحشة مهما بدا السبيل إليها ميسراً، والترفع عن تحين الفرص في ضعف المتعسرين وأصحاب الحاجات، بل والإحسان إليهم بدلاً من استغلالهم، تقرباً إلى الله ورغبة فيما لديه من الثواب.


وأما حكاية الثالث، فهي أيضاً عمل في غاية النبل، ينم عن وفاء ونزاهة وإنصاف، وعن عزم صادق على أداء الحقوق كما يجب، مكللة بالإحسان والسخاء.


كثيراً ما أتوقف متأملاً في حكاية الرجل الثالث الذي غادره أحد عماله دون أن يأخذ أجره، فظل أمانة في عنقه، فاستثمره له، فنما مع الزمن من حفنة صغيرة إلى مال كثير، فلما جاءه الأجير بعد زمن يطلب أجره، أشار إليه بما في الوادي، فساق كل ما نما إليه أجره المتواضع ورحل به إلى دياره.


هناك من الناس من يتأخر دهراً في دفع ما عليه للآخرين، وهناك من يقترض مالاً بنية السداد بعد وقت محدد، ثم يسوف ويؤجل وتمتد الشهور إلى سنين، والسنون إلى عقود.


فإذا صحا ضميره وأراد أن يسدد ما عليه إذا بالنقد قد فقد مع الزمن قوته الشرائية، وما كان ألف دينار قبل ثلاثين عاماً لربما فاقت قيمته الشرائية عشرات آلاف يوم السداد.


جاءني ذات يوم ابن عمي لي وقال إن شخصاً أوقفه وقال له إنه نوى في تلك السنة أداء فريضة الحج، وبحث فيما عليه من التزامات، وقرر الوفاء بها قبل أن يذهب لأداء الفريضة لعله يعود منها كيوم ولدته أمه. وقال له إنه وجد في ذمته ثمن حليب اشتراه مني قبل ما يقرب من ثلاثين عاماً عندما كنت مزارعاً للأبقار وكان لديه هو مصنع للأجبان والألبان. وكان المبلغ الذي في ذمته قريباً من مائتي دينار.


دفع الرجل المبلغ الذي وجده مدوناً لديه كما هو وذهب إلى الحج.


فهل فعلاً أدى الأمانة وسدد ما عليه؟


ورد في الحديث الصحيح المتفق عليه عن أبي عَبْد الرَّحْمَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخطَّابِ، رضيَ اللهُ عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى آوَاهُمُ الْمبِيتُ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فانْحَدَرَتْ صَخْرةٌ مِنَ الْجبلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمْ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا الله تعالى بصالح أَعْمَالكُمْ قَالَ رجلٌ مِنهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوانِ شَيْخَانِ كَبِيرانِ، وكُنْتُ لاَ أَغبِقُ قبْلهَما أَهْلاً وَلا مالاً (يعني لا يسقي الحليب أحدًا قبلهما) فنأَى بِي طَلَبُ الشَّجرِ يَوْماً فَلمْ أُرِحْ عَلَيْهمَا حَتَّى نَامَا فَحَلبْت لَهُمَا غبُوقَهمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِميْنِ، فَكَرِهْت أَنْ أُوقظَهمَا وَأَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلاً أَوْ مَالاً، فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدِى أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُما حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ وَالصِّبْيَةُ يَتَضاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمي فَاسْتَيْقظَا فَشَربَا غَبُوقَهُمَا. (يعني أبعد بسبب طلب الرعي فلم يرح عليهما إلا وقد ناما، فوقف والقدح على يديه فيه اللبن ينتظر استيقاظهما) اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَة، فانْفَرَجَتْ شَيْئاً لا يَسْتَطيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهُ.


قَالَ الآخر: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانتْ لِيَ ابْنَةُ عمٍّ كانتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، وفي رواية: كُنْتُ أُحِبُّهَا كَأَشد مَا يُحبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءِ، فَأَرَدْتُهَا عَلَى نَفْسهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّى حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهِا عِشْرينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّىَ بَيْنِى وَبَيْنَ نَفْسِهَا ففَعَلَت، حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا وفي رواية: فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْليْهَا، قَالتْ: اتَّقِ اللهَ وَلاَ تَفُضَّ الْخاتَمَ إِلاَّ بِحَقِّهِ، فانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِليَّ وَتركْتُ الذَّهَبَ الَّذي أَعْطَيتُهَا، (معنى فألمت بها سنة من السنين أصابتها حاجة وشدة فجاءت إليه تقول: يا ابن عمي ساعدني أنا ألمت بي حاجة وأنا مضطرة فقال: لا، حتى تمكنيني من نفسك، فاتفقا على مائة وعشرين دينارًا حتى تمكنه من نفسها ففعل وأعطاها الذهب، فلما جلس بين رجليها، قالت: يا عبد الله اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، يعني إلا بالزواج، أنا ما أخذت هذه الدراهم إلا من أجل الضرورة، فلما قالت له هذا الكلام خاف من الله وقام من عندها ولم يفعل الفاحشة).

 

اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعْلتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فانفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا.

 

وقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجرَاءَ وَأَعْطَيْتُهمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذي لَّه وَذَهبَ فثمَّرت أجْرَهُ حَتَّى كثرت منه الأموال (أي فنميته له وثمرته له حتى صار له عبيد وإبل وبقر وغنم من هذا الأجر) فجاءني بَعدَ حِينٍ فَقالَ يَا عبدَ اللهِ أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ: كُلُّ مَا تَرَى منْ أَجْرِكَ: مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَم وَالرَّقِيق فقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ لا تَسْتهْزي، فَقُلْتُ: لاَ أَسْتَهْزيُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فاسْتاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْه شَيْئاً، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتغَاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فخرَجُوا يَمْشُونَ".

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"