لماذا يتجدد الطغيان في بلادنا؟ لماذا ذهب مبارك وجاء السيسي؟ كيف رحل القذافي ونبت حفتر ثم جاء سيف الإسلام؟ كيف يمكن أن تُدفن الثورات هكذا وتُطمر التضحيات ليعود الاستبداد أبشع مما كان؟
 
لا شكّ أنّ أعظم ما يسيطر على الأمة اليوم هو هذا الشعور بالإحباط واليأس بعد العودة المظفّرة للانقلابات العسكرية والمدنية على أنقاض الفشل الذريع الذي مُنيت به ممارسة السلطة في العقد الذي تلى ثورات الربيع. ليس المجال هنا لعرض أسباب الفشل وشروطه لكننا سنحاول الإجابة عن قدرة الاستبداد على التجدد والصمود أمام محاولات الاستئصال ومساعي التغيير.

لقد أثبتت السنوات العشر الماضية أنّ الدولة العميقة أعمق مما نتصوّر وأنها أحسن تنظيما وقدرة على التجدد والصمود من كل المكونات السياسية والحزبية والشعبية الأخرى مجتمعة بما فيها القوى الثورية. إن البحث في هذه القدرة على التجدد والانبعاث بهذه السرعة وبهذا التنوّع هي التي ستسمح بوضع التصورات الممكنة لمنع حدوث ذلك عند تجدد الموجات الثورية. 

فرز الفواعل
 
لا أحد يستطيع أن يُنكر الدور الذي لعبه الفاعل الخارجي الإقليمي أو الدولي في تصفية الثورات وفي إحياء الاستبداد عسكريا ومدنيا لكننا لا يمكن أن نضع على كاهله كامل المسؤولية في تدمير المسارات الانتقالية العربية. 

لكن الفاعل الخارجي ليس موحّدا إذ ينقسم إلى القوى الدولية من جهة والقوى الاقليمية من جهة ثانية. أما القوى الدولية فهي وإن كانت متوجسة من هذا الانتقال المفاجئ في المنطقة وما قد يسببه لها من الخسائر أو انحسار نفوذ إلا أنها لم تكن على اتفاق فيما يتعلق بدورها وردّة فعلها على هذه المسارات وطريقة التعامل معها. أما دول الإقليم فإنها تتوزع بين دول الطوق المباشر مثل إيران وتركيا ودولة الكيان المحتل من جهة والدول العربية التي تشكّل بدورها إقليما للأقطار التي عرفت ثورات شعبية أسقطت رأس النظام فيها.

 

باستثناء تركيا يمكن القول في السياق السوري أن القوى الخارجية بما فيها دولة الكيان كانت تعمل على إفشال الثورة لأن نظام الأسد كان لعقود حارسا أمينا لحدودها.

 


في الحالة السورية مثلا كان الدور الخارجي حاسما في منع سقوط نظام الأسد رغم كل الجرائم التي ارتكبها بما في ذلك الجرائم الكيميائية فلولا تدخل المليشيات الإيرانية والأفغانية واللبنانية والروسية لما قوِي النظام على الصمود أكثر من عقد من الزمان. فباستثناء تركيا يمكن القول في السياق السوري أن القوى الخارجية بما فيها دولة الكيان كانت تعمل على إفشال الثورة لأن نظام الأسد كان لعقود حارسا أمينا لحدودها. 

في الحالة اليمنية والمصرية كان الحضور الخارجي واضحا عبر تزكية الانقلابات هناك بمباركة دولية وبتمويل خليجي إماراتي سعودي يتغطى بحجة الحرب على الإرهاب وعلى الإسلام السياسي. كذلك الأمر في ليبيا وتونس والسودان التي كانت هدفا لتحالف الأجندات الخليجية المرتعبة من المسارات الانتقالية والمصالح الدولية الخائفة من سقوط مصالحها ومناطق نفوذها. 

إن ما يميز السنوات العشر الماضية من عمر التحولات السياسية العربية أن الفاعل الاقليمي العربي المعادي للثورات كان أداة فعل انقلابية في يد القوى الدولية مثل روسيا وإيران والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وحتى الكيان الصهيوني. يمكن القول إذن إن التدمير الحاصل في المسارات الانتقالية كان أساسا بفعل تخريبيّ داخلي نهضت به أنظمة عربية معلومة خوفا على عروشها وخشية من العدوى الثورية. 

خطورة الفاعل الداخلي 

دون إنكار الدور الذي لعبه الفاعل الخارجي في تجدد المنظومات الاستبدادية العربية فإنه لا يمكن أن يُقارن بجرائم الفاعل الداخلي. صحيح أن حفتر مثلا مواطن أمريكي أرسلته المخابرات الأمريكية للقيام بمهمة محددة وكذا بشار الأسد ليس غير وكيل إقليمي لقوى خارجية وما كان له أن يبقى في السلطة دون إسناد قوي من هذه القوى. صحيح أيضا أن القوى الدولية لن تسمح بتحوّل المزارع العربية إلى مخابر ديمقراطية تُجرّب فيها الوصفات الانتقالية التي تسمح بتجدد الأنظمة السياسية. لكنها لا يمكن أن تحقق القدر المنشود من النجاح دون انخراط الفواعل الداخلية في هذا المشروع بشكل فعّال. 

تتباين النظريات والقراءات إذا يقرّ عدد من المحللين بسطوة الفاعل الخارجي بشكل مطلق في تحديد شكل نظام الحكم في البلاد العربية في حين يرى آخرون أنه عامل من ضمن مجموعة من عوامل أخرى لا تقل عنه أهمية. لكنّ المتأمّل في المسارات التي عرفتها عملية إعادة انتاج الاستبداد إثر انكسار موجات الربيع الأخيرة يكتشف القدرة الهائلة للدولة العميقة وأذرعها الداخلية في تجديد خلاياها بنفسها. 

 

ما يميز السنوات العشر الماضية من عمر التحولات السياسية العربية أن الفاعل الاقليمي العربي المعادي للثورات كان أداة فعل انقلابية في يد القوى الدولية مثل روسيا وإيران والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وحتى الكيان الصهيوني.

 

إن السياق العام الذي يندرج فيه الوعي الشعبي القاعدي هو الركيزة الأساسية التي قامت عليها عملية إعادة إنتاج الاستبداد خلال السنوات العشر الماضية. هذا السياق يتكوّن أساسا من النخب التي تصوغ مضامينه ومن المجتمعات التي تستقبل هذه المضامين ومن المنابر الإعلامية التي تروّج لها.
 
خاضت هذه النخب خلال المراحل الانتقالية كل الصراعات الممكنة من أجل السلطة بدل أن يكون الصراع من أجل هدف وحيد وهو إنجاح المسارات الانتقالية والقطع نهائيا مع كل إمكانات عودة الاستبداد. في خضم هذه الفوضى وهذا الصراع كانت الدولة العميقة تنسج خطط تدمير المسارات الانتقالية بالإضرابات والاغتيالات والفوضى والحروب الإعلامية وصولا إلى العمليات الإرهابية حتى تحولت الثورات إلى لعنة وسبب من أسباب الشقاء في ذهن كثير من العوامّ.
 
لم يعُد الاستبداد من فراغ ولم تنجح الانقلابات بسبب قوّة المنقلب ولكنها نجحت بسبب فشل الشعوب ونخبها في تأمين الحماية الكافية للمنجز الثوري الذي كانت أولى شروطه الإيمان بالثورة نفسها وبأنها لا تكون إلا مسارات وتضحيات قبل الوصول إلى برّ الأمان. ليس نجاح الانقلابات العربية في الحقيقة إلا إعلانا عن قصور الوعي الشعبي في المحافظة على مكتسباته وتأكيدا على أن هذا الجيل من النخب العربية لا يختلف عن النظام الاستبدادي في شيء هذا إن لم يكن أحد ركائزه الأساسية. 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"