الاستبداد والاستخفاف توأمان، ذلك أن ظاهرة الاستبداد تعبر عن ذاتها من خلال حالة الاستخفاف التي تتخذ مشاهد متعددة، وفي معظمها تشير إلى الاستهانة بحياة الإنسان، إن وجودا وإن تكريما. والاستخفاف كحالة يرتبط بتلك العلاقة الفرعونية السياسية إنما يتمثل بدءا من الاستخفاف بحياة الإنسان وحرمة النفوس، وانتهاء بالاستخفاف بمطالبه وحاجاته وخدماته.

ولعل في رصدنا لهذه المشاهد ما يعبر عن خطورة هذه الحالة التي باتت تمارس من نظام الاستبداد في مصر، مستهينا بالإنسان، ومستخفا بعقولهم، ضمن خطاب مليء بمفردات تدل على الإهانة والاستهانة والمهانة. وأسوأ ما في الأمر أن تقابل حالة الاستخفاف هذه بمداخل من التبرير والتمرير من قبل هذا النظام بدعاوى خطيرة، بما يؤكد أن هذه الحالة الاستخفافية تعد مؤشرا على تمكن الاستبداد سواء من القائمين به وعليه، والمستفيدين منه والمنتفعين به، أو هؤلاء الذين يشكلون حالة من القابلية لهذا الاستبداد مما يؤثر في النهاية على نسيج المجتمع وتماسكه، ويحدث حالة من الفرقة والفوضى في الحياة الاجتماعية.

أسوأ ما في الأمر أن تقابل حالة الاستخفاف هذه بمداخل من التبرير والتمرير من قبل هذا النظام بدعاوى خطيرة، بما يؤكد أن هذه الحالة الاستخفافية تعد مؤشرا على تمكن الاستبداد سواء من القائمين به وعليه، والمستفيدين منه والمنتفعين به، أو هؤلاء الذين يشكلون حالة من القابلية لهذا الاستبداد مما يؤثر في النهاية على نسيج المجتمع وتماسكه


فمن إيهام بإلغاء حالة الطوارئ وقوانينها يمارس استخفافا يدبج من خلاله قوانين متعددة أقرت على عجل من برلمان الأجهزة الأمنية، لتشكل بذلك سدا لكل المنافذ التي تتعلق بأي بصيص يمكن أن يسمح بالتنفس في المجال العام والتعبير عن الرأي والموقف. ولعل ذلك الأمر يؤكد كيف يقوم النظام بعملية تدليس كبرى على الخارج والداخل معا وعلى جمهور الناس، حينما يؤيد نفس تلك القوانين في حالة تقنينية لا باعتبارها حالة استثنائية.

وهذا لعمري حالة أخطر من حالة الطوارئ ذاتها، فيجعل من الاستثناء قانونا، ويعمم ذلك ضمن سياقات إحكام القبضة على الناس واستعبادهم بقوانين مختلفة، حيث رصدت منظمة "هيومن رايتس ووتش" كيف حوّل النظام المصري حالة الطوارئ من الحالة الاستثنائية إلى حالة دائمة من خلال التعديلات القانونية على عدد من القوانين التي أحالتها الحكومة للبرلمان، والذي وافق عليها بصورة فورية. وهي تدمج العديد من الأحكام المشابهة لقانون الطوارئ في قوانين أخرى، بما فيها منع تصوير أو تسريب ما يحدث ضمن المحاكمات تحت مظلة مكافحة الإرهاب، وهو أمر يهدف إلى إسدال ستار من الظلمة والظلم والعتمة والتعتيم على كل ما يحدث من مظالم في مصر.

وفي إطار مسلسل الاستخفاف الذي يستمر بأشكال متعددة، نشير إلى تلك الفضيحة الكبرى في ذلك التقرير الذي كشف عن إزهاق أرواح مدنيين مصريين وإعدامهم خارج إطار القانون واستهدافهم، بمساعدة المخابرات الفرنسية، ولولا أن ذلك كشف في تقرير لموقع الكتروني فرنسي ما علم أحد أن قرابة من أربعين ألفا من المصريين قد قتلوا من خلال تلك الاستهدافات الجوية.

حالة أخطر من حالة الطوارئ ذاتها، فيجعل من الاستثناء قانونا، ويعمم ذلك ضمن سياقات إحكام القبضة على الناس واستعبادهم بقوانين مختلفة، حيث رصدت منظمة "هيومن رايتس ووتش" كيف حوّل النظام المصري حالة الطوارئ من الحالة الاستثنائية إلى حالة دائمة من خلال التعديلات القانونية على عدد من القوانين التي أحالتها الحكومة للبرلمان، والذي وافق عليها بصورة فورية


وقد كشف التقرير أن التعاون الذي بدأ في شباط/ فبراير 2016 ما يزال مستمرا حتى الآن؛ حيث أشارت الوثائق إلى أن هناك تعاونا بين مصر وفرنسا في الصحراء الغربية (الحدود بين مصر وليبيا) أسفر عن مقتل 40 ألف مدني مصري من وجهة نظر الحكومة الفرنسية - إلى وقت محدد - هم إرهابيون، في حين أن النظام المصري من البداية يعلم أنه يستهدف المهربين وبعض المدنيين الذين ساقهم سوء حظهم إلى تواجدهم لأداء أعمالهم في منطقة العمليات.

فقد كشف التقرير الفرنسي أن المخابرات الفرنسية متواطئة في ما لا يقل عن 19 هجوما ضد المدنيين المصريين، وذلك بتقديمها معلومات استخبارية تستخدمها السلطات المصرية - بعلم من باريس - لاستهداف مهرّبين على الحدود المصرية الليبية، وليس لاستهداف إرهابيين كما كان متوقعا. وتم الكشف عن انتهاكات بعثة المخابرات الفرنسية المسماة "سيرلي" التي بدأت في فبراير/ شباط 2016 لمصلحة مصر باسم مكافحة الإرهاب.

إذ تم إرسال فريق فرنسي سرّي إلى الصحراء الغربية الممتدة من النيل إلى الحدود المصرية الليبية، بهدف تأمين تلك الحدود وسط حالة من الفوضى. وتمثلت مهمة سيرلي "في مسح الصحراء الغربية لاستكشاف أي تهديدات إرهابية من ليبيا"، باستخدام طائرة استطلاع خفيفة "مستأجرة من مديرية المخابرات العسكرية"، مع تقييم حقيقة التهديد وهوية المشتبه بهم، إلا أن فريق المخابرات سرعان ما أدرك أن المعلومات الاستخبارية المقدمة للمصريين كانت تستخدم لقتل المدنيين المشتبه في قيامهم بالتهريب، في ما بدا تجاوزا لأهداف المهمة.

ورغم التنبيهات المتكررة فما تزال المخابرات الفرنسية مستمرة في دعم الجانب المصري، رغم أن التحقيق الفرنسي عدّد مجموعة من العمليات مع شهادات موثقة، كان من ضمنها مقتل "أحمد الفقي" واثنين من زملائه كانوا يعملون في تعبيد طريق بالقرب من واحة بحرية، حيث ضربت طائرة مصرية شاحنتهم الصغيرة فقتلت أحمد ورفيقيه.

تعامل النظام المصري باستخفاف معهود في مثل هذه القضايا، ففي الوقت الذي حظيت فيه هذه القضية باهتمام بالغ من الجانب الفرنسي سواء في وسائل الإعلام أو البرلمان الفرنسي، فإن النظام المصري عمد إلى حجب الموقع الذي نشر التقرير


وقد تعامل النظام المصري باستخفاف معهود في مثل هذه القضايا، ففي الوقت الذي حظيت فيه هذه القضية باهتمام بالغ من الجانب الفرنسي سواء في وسائل الإعلام أو البرلمان الفرنسي، فإن النظام المصري عمد إلى حجب الموقع الذي نشر التقرير. وفي ظل "إعلام السامسونج" فلن تجد صوتا في الإعلام يقترب من الموضوع إلا إذا كانت هناك توجيهات بذلك.

ولن يكون حال البرلمان أفضل من الصحافة، فهو أيضا محكوم من قبل نفس الجهاز الذي يسيطر على الإعلام، ولن يكون له أي إسهام في الموضوع إلا بالكيفية التي يريدها الجهاز وبنفس المفردات والألفاظ التي ستصل إليهم، ولن يستطيع أي منهم أن يخرج عن النص.. تلك الاستهانة بالأرواح إلى هذا الحد صارت تشكل عملاً ممنهجاً لهذه المنظومة الاستبدادية، مستخفة بحياة الناس وبأرواحهم من دون أدنى مساءلة أو حساب.

ويصل ذلك الاستخفاف إلى ذروة الاستهانة بحياة الناس وأداء الخدمات المتعلقة بمعاشهم وحراكهم اليومي من تلك الصور التي تتوارد عن غرق في مناطق مختلفة في مدينة الإسكندرية، عاصمة مصر الثانية، ليتأكد لنا أن حياة الناس بكرامة وفي ظل عيش كريم ليست ضمن حسابات هذا النظام ولا ضمن اهتماماته؛ فمنذ متى يأبه هذا النظام لحياة الناس أو كرامتهم؟!

عبرت هذه الزيارة في حقيقة الأمر عن وجه من وجوه استخفاف هذا النظام بمعيشة الناس وخدماتهم، ليعبر بذلك عن رؤيته للإنسان المصري الذي لا يدخل في تقديراته أو حساباته؛ ابتداءً من حياته ووجوده، وانتهاءً بمعاشه وخدماته


ونذكر هنا ما قصه أحدهم حول تلك المهزلة التي تتعلق بزيارة "الأمير تشارلز"، حيث عمد النظام إلى رصف ما يقرب من 200 متر فقط من شارع رئيسي في الإسكندرية، وهو المكان الذي قدر لموكب الأمير البريطاني السير فيه، وما دون ذلك فقد ترك كما هو، بالإضافة إلى أن عملية الرصف ذاتها كانت احترافية إلى الأمر الذي تأكد معه أن هذا النظام يستطيع أن يفعل الكثير والكثير ولكنه لا يفعل استخفافا..

فقد عبرت هذه الزيارة في حقيقة الأمر عن وجه من وجوه استخفاف هذا النظام بمعيشة الناس وخدماتهم، ليعبر بذلك عن رؤيته للإنسان المصري الذي لا يدخل في تقديراته أو حساباته؛ ابتداءً من حياته ووجوده، وانتهاءً بمعاشه وخدماته.. إنها قصة النظام السخيفة والمستمرة في الاستبداد والاستخفاف، وستفتح هذه الملفات يوما لتدين هذا النظام الفاشي في أفعاله وسياساته حيال المواطن والوطن.

twitter.com/Saif_abdelfatah

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"