مع مرور كل يوم يتأكد للجميع في الداخل والخارج أن ما حدث في تونس منذ 25 تموز (يوليو) الماضي لم يكن إلا انقلابا من داخل النظام على البرلمان والدستور والشرعية وخاصة على الثورة ومسارها. لا يوجد توصيف آخر لما حدث بعد أن جمع قائد الانقلاب كل السلطات في يده وأغلق البرلمان بالدبابات العسكرية وصار يطارد منتقديه ومعارضيه في كل مكان.

تونسيا لن ينجح الانقلاب لأنه لا يملك أي شرط من شروط النجاح بل سيكون في أفضل الأحوال نسخة مشوّهة من نظام بن علي الذي ثار ضده التونسيون يوما بعد أن يتمادى النظام الجديد في القمع والتنكيل. خارجيا ستكون للانقلاب انعكاسات هامة على مسار الانقلابات التي قادتها دول الخليج الراعية لها منذ الانقلاب المصري. 

الانقلابُ مغاربيا 

إن أهم الدول التي ستتأثر بشكل مباشر بتبعات التغيرات السياسية في تونس هي ليبيا والجزائر لوقوعهما على خط الحدود مباشرة معها. لا يمكن التقليل من أهمية الفاعل المغربي الذي رغم بعد المسافة فإنه يعتبر الفضاء التونسي جزءا من أمنه القومي وهو الأمر الذي ينسحب على مصر التي تدخلت بقوة في تونس ولعبت دورا أساسيا في هندسة الانقلاب وفي إنجازه. التأثر والتأثير مبدأ أساسي في العلاقات بين الدول لذا فإن أثر الانقلاب على هذه الدول سيكون مباشرا وكذا أثرها هي عليه سيكون عميقا. 

في ليبيا لا تزال العملية السياسية تراوح مكانها وسط انقسام البلاد إلى معسكر انقلابي بقيادة حفتر في الشرق متحالفا مع مصر باعتباره امتدادا لنظامها العسكري، وحكومة شرعية في الغرب ممثلة لثورة فبراير. إن تثبيت الانقلاب في تونس سيقوّي من موقف المعسكر الانقلابي في الشرق خاصة أن قائد الانقلاب في تونس والمنصات المرتبطة به لا تُخفي تعاطفها بل وتنسيقها مع حفتر وجماعته في ليبيا. لكن المشكل الجغرافي في وقوع المنطقة الغربية فاصلا بين تونس ومعسكر حفتر سيجعل من التواصل المباشر بين الانقلابين أمرا عسيرا. 

من جهة أخرى تملك المنطقة الغربية الليبية كل امتداداتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية داخل العمق التونسي وخاصة في الجنوب، وهو الأمر الذي سيجعل من التواصل مع حكومة ثورة فبراير في الغرب أمرا حتميا. لكن التصريحات والهجومات التي قادها الإعلام التونسي الموجّه سياسيا من السلطة في اتهام الحكومة الليبية بتصدير الإرهاب كان مؤشرا هاما على طبيعة تصوّر السلطة التونسية للعلاقة مع حكومة الغرب ومع ممثلي ثورة فبراير.
 
جزائريا لم يخف رأس النظام ورئيس الجمهورية هناك مساندته لقائد الانقلاب في تونس، لأن السلطة الجديدة في شكلها الجديد ستكون في صالح النظام العسكري الحاكم في الجزائر وهو الذي يخشى تجدد الحراك الشعبي. إن فشل الثورة التونسية هو انتصار للنظام العسكري في الجزائر الذي وصف يوما وزيره الأوّل السابق ثورات الشعوب بأنها حشرات يجب القضاء عليها بالمبيدات. 

إنجاح الانقلاب انتصار للنظام الإقليمي 

يقف الانقلاب التونسي أمام مخرجين لا ثالث لهما: إما التمسك بالحكم ومزيد تركيز السلطات في يد الرئاسة وما سيترتب عن ذلك من اعتقالات وقمع وسطو على الحريات الفردية والجماعية، أو سقوط الانقلاب والعودة إلى المسار الديمقراطي وإلى الشرعية الدستورية بآليات جديدة. 

ففي حال نجاح الانقلاب ستعود تونس إلى المسار الذي كانت فيه قبل ثورة 2010 ولكن بمساحيق جديدة تحاول التكيّف مع المُنجز الثوري وتوسيع نطاق الخطاب الشعبوي الذي يقوم بفعل المسكّن للغضب الشعبي. لكن الواقع الاقتصادي والاجتماعي سيفرض على النظام الجديد إيجاد مخارج سريعة من الأزمة التي تتخبط فيها البلاد وهي تقف على حافة الإفلاس. 

 

في حال سقوط الانقلاب فإن المسار الديمقراطي التونسي سيعرف انتعاشا كبيرا سيرسّخ من التجربة ويزيدها عمقا وثباتا بشكل قد يفتح الباب على شكل جديد من أشكال الحكم في بلاد العرب والمسلمين.

 

من جهة أخرى هل سيكون في مقدور الانقلاب السطو على هامش الحريات التي فرضتها الثورة؟ وإن تحقق ذلك فبأي ثمن؟ من الصعب الإجابة عن هذا السؤال، لكن الثابت هو أن القوى الإقليمية الداعمة له سرّا أو علنا مثل مصر والسعودية والإمارات والجزائر قد تتكفل جزئيا بسدّ العجز المالي. وقد تقوم الصناديق الدولية بمساعدة البلاد في الخروج من الأزمة، لكن الثمن سيكون باهظا جدا عبر اتفاقيات وعقود ستصادر الثروات التونسية وستسلبها سيادتها كما حدث ذلك في ملفات المحروقات مع المستعمر القديم. 

لن يتردد النظام الإقليمي في دعم الانقلاب التونسي لأنه سيُغلق آخر معاقل الثورات وسيُنهى زمن الربيع العربي المهدد لكيان هذا النظام ووجوده. لقد جاهد النظام الإقليمي ممثلا في السعودية لتدمير التجربة الديمقراطية المصرية مدعوما بالإمارات، وقد نجح في ذلك ثم تمدد نحو ليبيا وسوريا وأخيرا تونس بعد إجهاض ثورة اليمن. 

ينطلق النظام الرسمي العربي من فرضية أساسية تتمثل في ضرورة بقاء كل الكيانات التابعة له والمنضوية تحت غطاء الجامعة العربية خاضعة للحكم الفردي المطلق مهما كان نوع النظام. إن بقاء الدول العربية تحت نظام استبدادي مطلق هو الشرط الوحيد الضامن لبقاء العائلات والكيانات العربية الحاكمة في مكانها، وهو الأمر الذي يجعل من الثورات وتغيير النظام السياسي في أي قطر عربي مهدّدا لكل النظام الإقليمي. هذه القاعدة هي التي تفسر ظهور مكونات لافتة داخل المشهد العربي مثل الانقلابات والجماعات الإرهابية أو حصار قطر أو حتى انقلاب تركيا، بل هي تفسّر أيضا صفقة القرن والهرولة الجماعية نحو التطبيع. كل هذه الأحداث كانت في الحقيقة جزءا من ردود فعل النظام الرسمي العربي ضد الثورات وموجات التغيير.
 
لكن في حال سقوط الانقلاب فإن المسار الديمقراطي التونسي سيعرف انتعاشا كبيرا سيرسّخ من التجربة ويزيدها عمقا وثباتا بشكل قد يفتح الباب على شكل جديد من أشكال الحكم في بلاد العرب والمسلمين. 

مهما كانت نتائج المسار التونسي ومهما كانت طبيعة الردود الإقليمية، فإن النظام الرسمي عاجز عن إلغاء شروط الحرية والتحرر إلى الأبد، بل إن قمع الثورات السلمية وتدمير المسارات الديمقراطية سيصوغ طريقة جديدة في التعامل مع الاستبداد خلال الموجات الثورية القادمة التي ستكون مختلفة تماما عن سابقاتها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"